الأحد 11 ربيع الثاني 1441 الموافق 08 ديسمبر 2019
الرئيسية » مقالات » رأي » أحمد حلمي | يكتب: الدين لحية أم لسان ؟

أحمد حلمي | يكتب: الدين لحية أم لسان ؟

أحمد حلميترددت كثيرًا قبل كتابة هذه الكلمات ولكن كعادتي قررت أن أخوض برأيي في هذا الموضوع ونظرًا لما أراه من صدام في وجهات النظر عن الدين وكيفية تطبيقه في الوقت الحالي و وعلاقة الناس ببعضها البعض بناء على ظواهر الأمور.

في البداية أرى أننا جميعًا نتفق على أن الدين قوامه الأساسي هو المعاملات و الأخلاق ثم تأتي العبادات ، و أقصد كل القصد أن العبادات في المرتبة الثالثة من مقومات الدين و سأقوم بتوضيح ذلك وما أقصده من معنى.

فالدين الإسلامي أنزله الله كرسالة سماوية على سيدنا محمد «عليه الصلاة والسلام» ، و وكّل بها جبريل عليه السلام بالإيحاء لكل أمر سماوي ، فيقول تعالى «وما ينطق على الهوى إن هو إلا وحي يوحى» ، متمثلاً في القرآن الكريم كنص أو حتى في السنة النبوية التي جاءت مفسرة لآيات الكتاب الحكيم و ليست مكملة ، فالقرآن نزل كاملاً غير منقوص تطبيقًا لقول الله تعالى «وما فرطنا في الكتاب من شىء» على خاتم الأنبياء و المصطفى المختار خير البرية سيدنا محمد «عليه أفضل الصلاة و أزكى السلام».

وكما نعلم جميعًا أن الرسول نزل عليه الوحي وهو عمره أربعون عاماً ، أي عاش فترة شبابه تقريبًا ما قبل الرسالة وسط قومه و نال محبة أهله و ثقتهم ما قبل الرسالة ولم يكن ذلك من فراغ فهو إشتهر بالصادق الأمين قبل ظهور أي ملامح للدين فكان صادقًا أمينًا بأخلاقه و معاملاته والتي شهد بها كل قومه وكل من تعاملوا معه فترة ما قبل الرسالة فوصفه الله تعالى بقوله «وإنك لعلى خلق عظيم» و عظيم الله ليس بحساباتنا الدنيوية ولكنه يفوق كل التخيلات.

و الله جل و علا تجلت حكمته في ذلك ، وينبغي على من يعقل و يفهم ويؤمن بالدين أن يتخذ منهج رسولنا محمد «عليه الصلاة والسلام» ، ليس بعد الرسالة فقط ولكن أيضًا قبل الرسالة و قبل نزول الوحي عليه لأن مقومات الدين هى أفعال الرسول قبل الرسالة و بعدها.

لذا فما زاد على الرسول بعد الرسالة هى العبادات لتصبح المكملة و المتممة للدين الإسلامي ، وذلك هو ما كنت أقصده بأن العبادات تأتي بعد الأخلاق والمعاملات في المرتبة الثالثة.

وعندما ننظر لقوله تعالى «وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فأنتهوا» سنجد أن الله قد أمرنا بطاعة الرسول طاعة مطلقة بمعنى أن كل فعل قام به الرسول أو أقره أو لم ينهي عنه ، فهو فعل يجب أن نقوم به
ولكن هل كل ما قام به الرسول على نفس الدرجة في الوجوب ؟ وهل كل ما قام به الرسول طيلة حياته يجب علينا فعله كاملاً ؟

في الحقيقة يتسع الكلام في هذه الجزئية ولكن أدعو الله أن أوضح وجهة نظري فيها بمنتهى اليسر و السلاسة لكي تتضح لكم من وجهة نظري وذلك نظرًا للتعقيدات التي يفرضها البعض على الآخر في تطبيق تعاليم الدين الحنيف.

بالنسبة للسؤال الأول وهو هل كل ما قام به الرسول على نفس الدرجة من الوجوب وهل كل ما قام به الرسول طيلة حياته يجب علينا فعله كاملاً.

بداية ً أساسيات الدين الإسلامي هى أركان الإسلام التي بها يصبح المرء مسلمًا لله تعالى و مقراً برسوله محمد و هى فرض على كل مسلم وكما نعلمها جميعًا هم «شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمداً عبده و رسوله – إقامة الصلاة – إتاء الزكاة – صوم رمضان – و حج البيت لمن إستطاع إليه سبيلاً».

و الدين الإسلامي هو ما وقر في القلب و صدّقه العمل أياً كان العمل بشرط أن يكون خالصًا لوجه الله تعالى و لم يلزم كل الناس بكل الأفعال حتى لا يشق عليهم فقال تعالى «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت و عليها ما إكتسبت» و نجد الآية الكريمة تحمل تفسير عميق جدًا وهو أن كل فرد له قدرات معينة في الطاعات ولا يشترط على كل فرد ان يقوم بما يقوم به الأخر ولا يجوز أن يجبر كل فرد الأخر على ما يقوم به هو فالعمل خالصًا لله وكل فرد يجازي على نيته.

فالأصل أن إجتهاد الفرد في الطاعة هو اجتهاد لله تعالى وليس لأحد ، و فى رأيي الشخصى لا يوجد طاعة انزلها الله و أوصانا بها الرسول محمد «عليه الصلاة والسلام» ، إلا وكانت عظيمة عند الله ولا يستطيع فرد أن يقيم طاعة على حساب الأخرى لأن الله هو من يقبل ثواب العمل و هو من يجازي بالأجر سواء في الدنيا أو الآخرة.

فلماذا نجد بعض الناس ينصبوا أنفسهم محكمين على أفعال غيرهم من الطاعات و إن كانت قليلة؟

فيقول تعالى «فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر» فقط التذكرة حق المسلم على أخيه المسلم بشرط أن تكون بطريقة حسنة و طيبة بلا حدة أو شدة أو حتى تنفير!.

يحضرني دائماً حديث الرسول محمد «عليه الصلاة والسلام» ، حينما قال «رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذى الناس» صدق رسول الله.

نعم شجرة قد تكون صغيره و قد يكون جزع شجرة و قد يكون فرع بأوراقه والله أعلى و أعلم ، وقد يكون لم يفعل طاعات أو عبادات أو قيام ليل أو صدقات..إلخ ، لكن الشيق هنا أن الله تعالى يقبل قليل العمل من منظورنا و يجعله كثيراً.

و من رحمات الله أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها فقد يكون أحدنا ذو قلب طيب ولكن يشق عليه الطاعات فينعم الله عليه بعمل ولو بسيط يدخله الجنة كمن سقى كلباً يلهث من شدة العطش بنعله و دخل الجنة.

حتى لا أطيل أحب أن أوضح أنه في نقاش مع أحد الأصدقاء المحترمين تناولنا موضوع اللحية و لماذا لا أُطلقها وأن تركي لها حرام ، فتوقفت عند كلمه حرام لأن الحرام ليست بكلمه هينه فهى تدخل النار.

وتناولت بطريقتي الحديث بمنتهى الهدوء و الجميع يعلم الردود في هذه الحالة من الطرفين و لكن تناولت أمر ما أولاً اللحية هى توقير و سنة مما لا شك فيه أن للرسول حديث يقول «حفوا الشوارب واعفوا اللحى».

ولكن السؤال هل يتوقف الدين بالكامل على هذا الحديث ؟ بمعنى أنه تارك اللحية لا عملاً متقبلاً منه ؟

أعتقد أن الرسول أمرنا بكثير و الكثير من الأمور في مجالات عديدة وهى أيضًا مهمة وخصوصًا في المعاملات و الاخلاق و الصلاة و العبادات و التطوع و الزواج و غيرها الكثير و الكثير هى ضرورية بنفس الأهمية ولكن الكمال لله وحده في فعل كل الأمور خصوصاً أننا في هذا الزمن الذي قال فيه الرسول «القابض فيه على دينه كالقابض على جمرة» ، فلماذا هذه الجزيئة هى دائمًا محل الخلاف ؟ فرفقاً بالعباد !.

اعتقد أن الدين الإسلامي يقوم على المعاملة الحسنة و اعتقد اقصد بها أؤمن و أقر.

فالدين المعاملة وأن موضوع اللحية هى اتباع لسنة نبوية فاز بها من فاز ولكن ليست شرط على قبول الاعمال من عدمها ، فالله جل و على يقبل ما يريد و يرفض ما لا يريد وهو غني عن العالمين.

اكتب كلامي هذا ليس لمنع اللحية و ليس لرفضها ، بالعكس فهى فعل نبوي له كل التقدير ولكنها أيضًا معها أفعال أخرى قام بها الرسول أراها أهم في الزمن الحالي و على رأسهم حسن المعاملة مع كل الناس حتى من هم على غير الدين ، فلا ننسى أن الرسول وقف احترامًا لجنازة يهودي و بكى رحمة بها و شفقة أنها نفس افلتت منه للنار ، أنها الرحمة المهداة.

لذا أود أن أوضح أن من أرادها زينة له و لوجهه او اتباعًا للسنة او لغير ذلك فهى له و من تركها فلا يجب ان توضع له الموازين في الدنيا !.

ولا يجب أن يباهي أحد الآخر بطيب يصنعه و يشعر الآخر أنه من الخاسرين لعدم سيرة على نفس فكرة و طريقة من أجل الله فيجعله الله هباءاً منثوراً !.

فلكل منا طاعاته و احتمالاته ولا ننسى أن الرسول قال في حديث أرى أنه لابد من أن يعلمه الجميع وهو الصادق المصدوق «أن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفه ثم يكون علقه مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وٍأجله وعمله وشقي أم سعيد فو الله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» رواه البخاري.

مهم جدًا و خطير جدًا و لينجو كل منا بنفسه و يتلطف بغيره ، فما أسوأ الغلظة و ما أسوأ التنفير من رحمة الله
المعاملة يا أهل الخير ، تجمّل في كل شىء ولا تنافق ، تجمّل في الحديث ، تجمّل في العمل ، تجمّل في الشراء و البيع ، تجمّل في النقاش ، تجمّل في بيتك مع زوجك ، تجمل ولا تكن فظاً فالكلمة الطيبة صدقة ، تجمّل في كل نفس تتنفسه فالله جميل يحب الجمال.

أحزن جداً عندما أجد على الفيس بوك نقاش سياسي عن مؤيد لنظام أو معارض و أجد شخص تزين وجهه اللحية يسب بأبشع الألفاظ و يقول مثلاً فلان الفلاني الـ …… أفلا تعقلون ؟ أليس من الأجدى تزيين اللسان بدلاً من الوجه ؟

وأخيرًا حديث النبي مع معاذ بن جبل معاذ بن جبل -رضي الله عنه – قال «كنت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في سفر ، فأصبحت يوماً قريباً منه ونحن نسير» ، فقلت يا نبي الله ، «أخبرني بعمل يدخلني الجنة ، ويباعدني من النار».

قال «لقد سألت عن عظيم ، وإنه ليسير على من يسره الله عليه ، تعبد الله ولا تشرك به شيئاً ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة ، وتصوم شهر رمضان ، وتحج البيت».

ثم قال« ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنةٌ ، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماءُ النارَ ، وصلاة الرجل في جوف الليل» ، ثم قرأ {تتجافى جنوبُهُم عن المضاجع} حتى بلغ {يعلمون} .

ثم قال «ألا أخبرك برأس الأمر ، وعموده ، وذروة سنامه؟».

فقلت «بلى يا رسول الله» .

قال «رأس الأمر الإسلام ، وعموده الصلاة ، وذروة سنامه الجهاد».

ثم قال «ألا أخبرك بِمَلاكِ ذلك كله؟».

قلت «بلى يا رسول الله». فأخذ بلسانه فقال «كُفَّ عليك هذا».

فقلت «يا رسول الله ، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟».

فقال «ثكلتك أمك يا معاذ ، وهل يكب النَّاسَ في النار على وجوههم – أو على مناخرهم – يوم القيامة إلا حصائدُ ألسنتهم».

أختم كلامي بقول الرسول «لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق» ، أي وجه بشوش و المعروف الذي ذكره الرسول في الحديث الشريف على المطلق دون تحديد معروف معين هو به يدخل العبد الجنة و ينجيه من النار بأمر الله و إذنه حتى وإن كان ابتسامه في وجه الغير وهى كافية عند الله و هو أعلى و أعلم ، وأخيراً لن يدخل الجنه أحد إلا برحمة الله و ليس بعمله.

اسأل الله أن يجعلنا جميعًا في طاعته و عبادته و أن يجعلنا جميعًا في الجنة برفقه المصطفى..اللهم آمين.

  • الأراء المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الشرقية توداي ، بينما تعبر عن رأي الكاتب.

قد يعجبك