السبت 20 ذو القعدة 1441 الموافق 11 يوليو 2020
الرئيسية » مقالات » أحمد رشاد | يكتب : أحلام صادقة

أحمد رشاد | يكتب : أحلام صادقة

المكان غرفة عمليات السبب إجراء عملية من العمليات الصغري لا تتعدي مدتها 200 دقيقة تقريبا رائحة المطهرات تملئ المكان وتشعرك بالنظافة وقوة التعقيم  ارتدي سترة أو زرقاء وغطاء رأس بلاستيكي شفاف ، نائم علي سرير العمليات الجراحية ، الإضاءة شديدة أعلي السرير ، لون الحوائط ناصع البياض ؛ لا تسمع إلا صوت الأجهزة الطبية يشبه صوت دقات القلب ومصطلحات إنجليزية بصوت منخفض من الطبيب لفريق التمريض .
سألنى دكتور التخدير كم عمرك؟.. وقبل أن أرد أعطاني حقنة مخدرة لم أشعر بعدها بنفسي تخدرت كليًا وكأنى فقدت الذاكرة ، وبعدها بلحظات رأيت فيما يرى النائم بأن أحد يوقظنى برفق وصدى صوت ينادى بأسمى .

فتحت عيني لأرى 5 أشخاص يرتدون سترات زرقاء وأغطيت رأس تشبه ملابسي ويتحركون من حولي دون أن تمس أقدامهم الأرض وكأن الجاذبية الأرضية قد انعدمت ، سألتهم من أنتم رد أحدهم يبدو أنه قائدهم : «أهلا بك في الأوقات الأكثر صدقا أهلا بك في لحظات اللاوعي نحن ياصديقي أجرينا عمليات في هذه الغرفة في أوقات سابقة وكلما تخدر مريض علي هذا السرير ندخل نحن الخمس في اللاوعي مجددا ونظهر له لعرض مشروع بحثي عليه ؛ لحين إنتهاء العملية والعوده مجددا للوعي والإفاقة والكذب والنفاق والتظاهر بالسعادة ؛ نرحب بك عضوا في فريقنا أن أحببت الإشتراك معنا . أحب أن أطمأنك أن الفريق الطبي الذي يجري لك العملية علي درجة عالية من الكفاءة».

«أعرفك بنفسي اسمي هانى حاصل علي ماجستير في الكيمياء الحيوية وأعمل في مركز البحوث ، أعكف علي إكتشاف مصل يعزز الصراحة ويعالج الكذب ، يستخلص من دمع العيون بشرط أن تكون الدموع في لحظة حزن حقيقي أو لحظة سعادة صادقة»

وهذا «مسعود » تاجر الملابس الجاهزة  مسعود يده مربوطة في عنقه وقدمه اليسري مكسورة ، تحدث لي مسعود : «أتمنى لك الشفاء العاجل ؛ شكرته وسألته عن صحته ونظرت لزراعه ، هل هذا بسبب حادثة عربية ؟».

ضحك وقال «نعم إنها المرأة العربية» سأحكي لك : « وأنا في لحظات الإفاقة ناديت زوجتي بأسم امرأة أخري فاستدرجتني في الحديث حتي اعترفت لها اني متزوج بأخرى ؛ فأمسكت بالكرسي التي تجلس عليه وكسرت به زراعي وتركتني وطلبت الطلاق أنا أحبها كثيرا ولا أستطيع العيش بدونها. ولكنها مصممة علي الانفصال. فبما إنها علمت بزواجي بأخرى أصبح زواجي الثاني علني . بعدها بفترة خضعت لعملية تركيب شرائح ومسامير في زراعي بسبب الكسر ؛ وانا تحت تأثير البنج إعترفت لزوجتي الثانية أنى سأطلقها حتي لا أخسر زوجتي الأولي وأم أولادى. فاستشاطت غيظا وامسكت بحامل المحاليل الحديدى وحطمت به قدمي …….. عج المكان بالضحك ولم أتمالك نفسي ضحكت كثيرا حتي دمعت عيناي. فقال هاني هذا جيد أريد عينه من هذه الدموع إنها ممتازة جدا لإنتاج العقار ؛ واحتفظ بقطرات منها في أنبوب اختبار».

ثم تحدث ثالثهم بصوت جهوري أنا المهندس «معتز الحديدي» النائب السابق والمرشح الخاسر لمجلس الشعب  قلت له أعرفك أنت تظهر كثيرا في الإعلام ، تنهد قائلا : «ده كان زمان» قبل أن يفتضح أمري .

بدأ يحكى ذات مرة وانا أخطب في مؤتمر ترشحي الأخير للمجلس من أجل مستقبل أفضل رشحت نفسي من أجلكم منكم ولكم «معا للقضاء على الفساد والمحسوبية».

وفجأة شعرت بألم شديد في بطني نقلوني للمستشفي إنفجرت مرارتي ربما لم تتحمل كذبي وتم إجراء عمليه عاجلة وأنا تحت تأثير البنج خطبت معا من أجل مجدي الشخصي – معا من أجل الحصانة – معا من أجل حصولي علي قروض بدون فوائد.

كان متواجد معي في المستشفي أبناء الدائرة صورني أحدهم وارسلها لخصمي، وأذيعت في البرامج التلفزيونية , لأخسر الانتخابات وينجح هو ، انا أتمني نجاح بحث هاني واكتشاف المصل ، ليتجرع منه خصمي ويفتضح أمره هو الآخر أمام الجميع …..
ثم قال هانى وهذه الجميلة اسمها «حرية» متطوعة معنا في البحث ، حرية شابة في العشرينات ملامحها بريئة جدا، ما أدهشنى و أفزعني أن يداها الرقيقتان مكبلتان بالحديد ، سألتها عن السبب استطردت قائلة : «أنا ضد الظلم» ناقمة علي الديكتاتورية ولكنى لا استطيع البوح بذلك لاني للأسف متزوجة أحد مؤيدى الديكتاتور ولم أكتشف ذلك إلا بعد الزواج ، أحتفظ برأيي لنفسي ولا اتحدث في الساسية لانى أريد العيش بدون مشاكل وفي سلام .

وبينما كنت تحت تأثير البنج أجري عملية ولادة قيصرية هتفت بصوت وهن يسقط النظام : «تسقط جميع الأنظمة المتخاذلة ؛ المجد للأحرار . وبينما انا كذلك صورتني ممرضة متدربة وبثت الفيديو علي مواقع التواصل الإجتماعي» ، تم القبض عليا عقب الولادة ولم أفق إلا وانا في مستشفى سجن النساء  تساءلت أين مولودي؟ أخبروني أن والده أخذه  رغم أن ذلك غير قانونى ، ولكن للأسف لا يوجد شئ قانوني بالاساس .

لم يأتي زوجي لزيارتي ولا مرة ، عمر طفلي الآن 4 شهور ولم أره ؛ اتمني أن أضمه الي صدري ، أن أرضعه ، لك ان تتخيل أنى اصنع لفافات من ملابسى وأحتضنها …. ولم تتمالك نفسها وبكت وبكينا جميعا.

أعطي هاني كل منا أنبوب اختبار ليسكب فيه هذه الدموع الصادقة وهو يردد ممتاز هذا ما أريده.

وهذا الشيخ «لقمان» إمام وخطيب، يرتدي عمامه الأزهر تحت غطاء الرأس البلاستيكي الشفاف ذو لحية خفيفة ووجهه مبتسم مريح ، تقدم نحوي الشيخ ووضع يده علي رأسي وبدأ يرقيني ويدعو لي بالشفاء.

وقال :  «يابنى سبح بحمد الله في الوعي يتبرمج عليها لسانك في اللاوعى . يابني كن صادقا , يابني قل الحق ولو كان مرا , يابني يقول الله تعالى مبشراً للصادقين ( هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم»، وبينما هو يعظنى دمعت عيناه ، قال هانى أنها أفضل وأطهر دموع دموع الخشية من الله  أعتقد أنها ستكون افضل مادة خامة لأنتاج المصل ، وأخذ منها عينه.
أضاف هاني : «أنت الآن على وشك الإفاقة موجها كلامه لي ، الي اللقاء قريبا ياصديقي في لاوعي جديد ، حتي حين نجاح وإنتاج المصل».

ودعوني جميعا واختفوا لقد تلاشي تأثير البنج وأفقت  لأجد من حولي.
يستحمدون لي السلامه ويخبروني اني وأثناء العملية وقبل الإفاقة كنت أبكي وابتسم وتدمع عيناي ولكن ما أدهشهم هو اختفاء قطرات دموعي ، لأتيقن أن ما حدث هو حقيقي .

عن Thoriia Ghoniem

قد يعجبك