الجمعة 16 ربيع الثاني 1441 الموافق 13 ديسمبر 2019
الرئيسية » مقالات » مقالات القراء » الدكتور ظريف حسين | يكتب: النزاعات الشخصية و السلام الاجتماعي

الدكتور ظريف حسين | يكتب: النزاعات الشخصية و السلام الاجتماعي

 

لابد أولا من تقرير أن المجتمع الفاشل هو الذي تسيطر عليه النزاعات و الصراعات بين أفراده أو طبقاته أو فئاته،و لضمان البقاء و التقدم يجب تعزيز قيم التواصل الإنساني و العلم بطرائق حل النزاعات لو كانت قد نشأت فعلا علي مستوي الحياة اليومية و الحياة العملية و بداخل المؤسسات.و لكن ما الأسباب الحقيقية لاندلاع الصراعات الشخصية، و بالتالي النزاعات الاجتماعية؟
أولا :أسباب نشأة النزاعات الشخصية

١- سوء التفاهم:
و هو يمثل المظهر العقلي و التصورات و المفاهيم،أو فعل التفكير في إنجاز أي فعل أو سلوك شخصي أو اجتماعي.و ينشأ سوء الفهم من إساءة غير متعمدة،في العادة،للنظام اللغوي أو رموز التواصل اللغوية بين المتنازعين،نظرا لانتماء كل منهم لنظام علمي أو ثقافي أو بيئي مختلف،فيختل التواصل اللغوي و بالتالي التواصل الإنساني بسبب عدم الالتقاء أو الاتفاق مبدئيا قبل البدء في أي حوار.
٢-سوء النية:
هناك نوعان من سوء النية:
الأول:غير متعمد،و ينشأ نتيجة هواجس أو مخاوف غير مبررة أو وساوس قهرية تجبرنا علي الانفعال بطريقة سلبية مع أفعال أو أشياء معينة.
الثاني:سوء النية المتعمد من أي من الطرفين أو كليهما معا ضد الآخر، لافتعال الاتهامات المتبادلة بقصد الإدانة و الانتصار الزائف علي الآخر.و غالبا ما يعتمد هذا النوع من سوء النية علي الاختلاف المبدئي في الشفرة القيمية أو الأخلاقية و السمات الشخصية التي تحكم توجهاتنا إلي الأشياء و تهيمن علي طرائق ردود أفعالنا.
٣- الاستنزاف:
و يمثل جانب السلوك .و هو النتيجة النهائية لعمل كل من التفكير و العاطفة معا،و هو ينشأ عن تضارب فعلي أو متوقع للمصالح بين الأطراف.و هدفه من جهة أحد الطرفين أو كليهما استهلاك قدرات الآخر علي مواصلة المسيرة نحو الغاية المتنازع عليها،فيدخلان معا في دائرة مغلقة من التطاحن و المعارك الجانبية بغية الإلهاء و التعطيل و الإفشال.
و من المؤكد أن غياب وحدة الأهداف الاجتماعية بين أعضاء المجتمع هو المسئول عن شيوع مثل هذه المعارك في بيئات اجتماعية معينة،فضلا عن غياب الرغبة في المشاركة و التعاون و التضامن بين الأفراد،خصوصا في المجتمعات التي ترزح تحت وطأة الكسل العقلي و انحطاط الهمم و انحسار الحماس و الحقد والحسد،و هوان قيمة العمل،و الأنانية المفرطة،و بالاختصار: لسيادة الروح الفردية بين الناس،و انعدام قيم الحب و التواصل الإنساني بينهم.
٤-الإزاحة النفسية:
إذا كانت الأسباب الثلاثة السابقة تتم بطريقة واعية فإن الإزاحة النفسية حيلة لا واعية يلجأ إليها الأفراد لتفريغ الطاقة السلبية التي تلقوْها من معارك سابقة كانوا هم فيها أطرافا مقهورة مكسورة،و ترجمتها و اسقاطها في صورة انفعالات سلبية و أفعال و أقوال مسيئة أو مؤلمة معنويا أو جسديا أو كليهما معا،و بذلك يُسقي الشخص السلبي الكأس التي جرَّعها له قاهره لمن هم دونه من الأبناء أو المرؤوسين أو كل من له ولاية أو سلطان عليه.

و تعد الضغوط المستمرة التي يتعرض لها الأفراد من جراء مواجهة مشكلات الحياة و العمل أهم الأسباب المؤدية إلي اللجوء إلي هذه الحيلة و غيرها و التي تنشأ عن عدم القدرة علي التكيف مع الظروف و مواجهة المواقف الضاغطة بعقلانية و استبصار و رَوِيَّة.

ثانيا: نماذج تطبيقية للمشكلات

١-إدارة المؤسسات:
تفشل جميع المؤسسات التي يتبع فيها المدير سياسة العقاب و كأنها سيف مسلط علي الرقاب،و تتبُّع الأخطاء مهما كانت هفوات،و لذلك فإن عدم التغاضي عنها يتسبب في تراجع الثقة بين العاملين و يقلل من درجة الانتماء للمؤسسة أو ينعدم،و يضعف الانتاج كمَّا و نوعا.

٢- الأسرة: تنشأ النزاعات بين أفراد الأسرة نتيجة كل أنواع الإساءات السابقة بغرض سيطرة أحد الأعضاء علي غيره،فضلا عن الشكوك و الوساوس،و قلة الثقة و ضعف عاطفة الحب…و الرقابة العائلة علي شكل محاكم التفتيش ،و أيضا التلصص والتمسك بقوائم ممنوعات و الابتزاز،…،مما يؤدي في النهاية إلي انهيار الأسرة أو ضعف تماسكها علي الأقل.

٣- الصداقة:
تمتاز الصداقة علي غيرها من العلاقات العملية و العلاقات الأسرية بأنها اختيارية و ليست اضطرارية،و مع ذلك فإن الجميع في كل مكان و زمان يشكو من ندرة الوفاء و الإخلاص بين الأصدقاء.و غالبا ما تصاب علاقة الصداقة بكل آفات العلاقات الأخري،و خاصة لو وقع الأصدقاء في كل الأخطاء السابقة أو بعضها،،فينقلب الصديق عدوا،و لذلك كانت ضرورة التغافل عن بعض أخطاء الأصدقاء و عدم ادعاء الكمال الشخصي و اتهام الآخرين بما ليس فيهم و التخلي عن العتاب الدائم ؛لأن ذلك يعد مدعاة للملل و الضجر و يسرع بفك عُري الصداقة مهما كانت قوتها.

و نظرا لأهمية التغافل عن بعض أخطاء الأصدقاء لصيانة الصداقة و تجنب فقدانها فآنني سأستعين هنا بخبرة شاعرين تاريخيين عظيمين تعرضا لأزمة صداقة:
الأول :هو النابغة الزبياني الذي صور في قصيدته التي يتوسل فيها للنعمان بن المنذر ملك الحيرة اضطراب مشاعره بعد استياء الأخير منه لوشاية كانت بينهما:
أتاني،أبيتَ اللعنَ أنك لُمتني
و تلك التي أهتم منها و أنصب
فبتُّ كأن العائدات فُرشن لي
هِراسا به يُعلي فراشي و يُقشب

إلي أن انتهي إلي البيت الأخير الذي يحمل المعني العمدة الشاهد هنا:
و لست بمستبق أخا لا تلمُّه علي
شَعَث،أي الرجالِ المهذب؟!

فأما الشاعر الثاني فهو بشار بن بُرد الذي عاش بين العصرين الأموي و العباسي فيقول:
إذا كنتَ في كل الأمور مُعاتبا
صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحدا أو صل أخاك فإنه
مُقارفُ ذنبٍ مرةً و مُجانبه
إذا أنت لم تشرب مرارا علي القذي
ظمئْتَ،و أي الناسِ تصفو مشاربه؟!

و الشاعر يوصي في الأبيات بالعفو عن بعض أخطاء الصديق و عدم الاكثار من العتاب و إلا فلن تجد لك صديقا أبدا!

ثالثا:النتائج
١- وجوب الحفاظ علي السلام النفسي و الاجتماعي علي كل المستويات و في كل وحدة اجتماعية و إدارية،و ذلك بتعزيز قيم الحب و التواصل الإنساني،و دعم الصلات بين الناس بالتسامح،و تركيز الطاقات الإيجابية و تصريفها فيما يفيد الصالح العام.

٢- تعظيم الإرادة العامة للأفراد للتفاهم و التشارك و التضامن و التسامح مع المختلف بدافع الرحمة و التعاطف،أو لتسيير الأمور،علي الأقل،و لذلك يجب العفو و قبول الأعذار.

٣- التوقف تماما عن سياسة إحصاء الأخطاء و تصيدها و تضخيمها و الاتهام بالشبهة،و العمل،بدلا من ذلك،علي تدعيم الثقة و تجديدها فيما بين أعضاء المجتمع.

 

 

 

قد يعجبك