الجمعة 12 ذو القعدة 1441 الموافق 03 يوليو 2020
الرئيسية » مقالات » الدكتور عصام الصيفي | يكتب: الحج عبادة وثنية أم سماوية؟

الدكتور عصام الصيفي | يكتب: الحج عبادة وثنية أم سماوية؟

 

لا عجب إذا صار السكر والملح سواء عند الجرذان، لأنها خلقت محرومة من الذوق، ولا عجب إذا صار النور والظلام سواء عند العميان، لأنها خلقت محرومة من البصر، وكذلك الإنسان الذى يعميه العناد والجهالة، لا تعجب إذا رأى الفضائل والكمالات نقصا وعملا صنميا.

إدعى الجهلاء أن مناسك الحج عندنا وثنية صريحة فقالوا أن الكعبة التى نتمسح بها ونطوف حولها وأن رجم الشيطان والهرولة بين الصفا والمروة وتقبيل الحجر الأسود وأشواط الطواف السبع والرجم بسبع حصيات والسعي سبع أشواط بقايا من خرافة الأمم القديمة التى كانت تتفاءل ببعض الأرقام.

وأود ان أنوه فى بداية حديثي هذا أنى لن أذكر آية من كتاب الله ولا قولا من سنة المصطفى لأن من يردد هذا الكلام لا يؤمن بكتاب الله ولا بسنة نبيه ولكنه خطاب للعقل لا يدركه إلا العاقل مستعينا بما ورد فى الكتب المقدسة السابقة.

إن المنكرين للحج نسوا أن قوانين المادة تقول أن الأصغر يطوف حول الأكبر، فالإلكترون في الذرة يدور حول النواة، والقمر حول الأرض، والأرض حول الشمس، والشمس حول المجرة، والمجرة حول مجرة أكبر، وهذا هو قانون الأصغر والأكبر في الفيزياء، أما نحن فنطوف باختيارنا حول بيت الله.

والإنسان في هرولة من ميلاده إلى موته وبعد موته يبدأ ابنه الهرولة من جديد وهي نفس الرحلة الرمزية من الصفا “الصفاء أو الخواء أو الفراغ رمز للعدم” إلى المروة وهي “النبع الذي يرمز إلى الحياة و الوجود”.. ورقم 7 الذين يسخرون منه له سر فدرجات السلم الموسيقي 7 صول لا سي دو ري مي فا ثم بعد المقام السابع يأتي جواب الصول من جديد فلا نجد 8 وإنما نعود إلى سبع درجات أخرى وهلم جرا، وكذلك درجات الطيف الضوئي 7 وكذلك تدور الإلكترونات حول نواة الذرة في نطاقات 7 والجنين لا يكتمل إلا في الشهر 7 وإذا ولد قبل ذلك يموت وأيام الأسبوع عندنا وعند جميع أفراد الجنس البشري 7 وضعوها كذلك دون أن يجلسوا ويتفقوا.

فالحج له أسرار فى شريعة الإسلام كباقي الشراع السماوية التى لا تخلو من الأسرار فالتابوت الذى كان يحمله موسى عند الجهاد والشدائد والأزمات والاستغاثة والنجدة لم يكن إلا صندوقا من الخشب، فيه قطع بالية من سفينه نوح، وماذا قال اليهود فيه وقد أمر الرب كليمه أن يحمله أمامهم وهو كليم الله، ويستنصر به ويستسقى به ويستفتح به، قالوا: إنه أنزل مع آدم من الجنة.
ونحن المسلمون لا ننكر عليهم قولهم فالله بمشيئته يقدس ما ينزل من الجنة أو من الأرض من طين أو ماء أو شجر أو مدر، فحمل التابوت هذا عند من يؤمن بأسرار النواميس عمل صنمي.
هذا التابوت بعد موسى رفع إلى السماء كما جاء فى التوراة، خصوصا عندما فشا الزنا والفسوق فى بنى إسرائيل، ولما قدم العمالقة لهلاك شعب إسرائيل بشرهم الرب فى التوراة أن التابوت ينزل مع الملائكة ما الذى كان فيه؟ كان فيه: نعلا موسى وثيابه وعمامة هارون وعصا موسى.
سبحان الله! نعلان لرسول من رسل الله يبلغ بهما التعظيم إلى درجة أن يكونا فى التابوت، ويكون هذا التابوت به النصرة وبه الفتح وعود المجد لشعب إسرائيل، وتنزل به الملائكة.

وعصا موسى ما هى؟ غصن من شجرة ربما يكون قد زرعها كافر وسقاها كافر وقطعها من الشجرة كافر، وإذا أراد الله أن يظهر الآية يظهرها كيف شاء وبما شاء وفيما شاء.
كانت تلك العصا عند شعيب ثم أعطاها لموسى، فقدسها الله وبارك فيها حتى صارت كأنها كلمة الله، وصار موسى كليم الله بدونها إنساناً لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، فالقادر على أن يجعل العصا كلمة كن فى يد موسى قادر أن يجعل هذا كله بكلمة من موسى وبحركة يده وبأي عصا من العصى، ولكنه سبحانه يقدس ما شاء ويظهر ما شاء ويضع سره فيما شاء وفيمن شاء.
لقد ثبت بالتواتر وبالأثر أن الخليل إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام رفعا قواعد البيت ووضعا هذا الحجر بيدهما عليهما السلام وأُخبرا أنه كان مع أبيهما آدم أنزله معه من الجنة، فما للإنسان ينحني رأسه إذا ذكر التابوت ويصدق أن صندوقاً من الخشب نزل من الجنة، ولا ينكر على موسى الكليم أن يحمله عند الشدائد، ثم إذا سمع أن التابوت نزلت به الملائكة تحمله إلى طالوت عند قتال العمالقة، وأن التابوت كان فيه نعلا موسى علية السلام ينحني تعظيماً للتابوت وما فيه، ويعترف أن التابوت باركه الله وجعل فيه سر الفتح والنصر، ولا يخطر على قلبه أنه كالصنم لبنى إسرائيل.

ومَن موسى عليه السلام فى جانب الخليل عليه السلام فى جانب آثاره العلية وآياته الجلية؟!، وهو عند خروجه من مصر لبنى إسرائيل أمسك عليه مسالك الخروج حتى حمل معه الصندوق الذى به جثة يوسف الصديق بن يعقوب عليهما السلام كما تقول التوراة، فهل كانت تلك الجثة صنماً لموسى؟.

ما للإنسان ينسى عيوبه وينظر الحسن فى أخيه قبيحا؟ كان التابوت صندوقا من الخشب فيه رضاض من سفينة نوح باركه الرب، حتى أمر كليمه أن يحمله وجعله وجهة للأجسام حتى لا تقع الأعين عليه إلا اطمأنت القلوب، ولا تمسه الأيدي إلا سرت فى القلوب روح يقين وإقدام، ولا يفتح إلا حصل النصر وانشرحت الصدور.
سبحان الله، هل لأنه صندوق خشب داخله نعلان؟ لا، ولكن الرب يبارك فيما شاء ويبارك فيمن يشاء، فكذلك الكعبة التى هى حجرة بناها الخليل إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام ورفعا هذا البيت بأمر الرب جلت قدرته، وبشرهم الرب أن هذا البيت مبارك، وبشر إبراهيم بأنه سيكون من ولده إسماعيل أمة مباركة يظهر فيها خير الرسل.

فكان هذا البيت هو الذى بناه الخليل وابنه، وباركه الرب كما بارك فى التابوت، وبارك فى عصا موسى، وبارك فى الحجر الذى كانت تتفجر منه الأنهار، وبارك فى الطينة التى خلق منها آدم وأسجد له الملائكة بنص التوراة.
وهذا الحجر هو الحجر الذى لمسته يد الخليل ويد ابنه، وأخيرا أنه نزل مع آدم، وإني لمصدق أن الرب باركه ولو لم يكن من الجنة فإن الرب كما تقدم يبارك فيما شاء وفيمن يشاء، والعرش والأرض سواء فى نظر الرب، ولا فرق بين الأرض السفلي والعرش الأعلى بالنسبة للرب، ولكنه سبحانه يرفع ما شاء على ما شاء، و الرب على عظيم عن القرب المكاني من العرش أو من الأرض، والعرش والأرض فى قبضته سبحانه، وفى حيطة علمه وفى تدبير قدرته ومشيئته، ولو شاء أن يجعل قطعة من طين الأرض ترتفع حتى تكون فوق العرش لفعل سبحانه، وقد فعل فإن الإنسان من طين وبعض أفراده من الرسل الكرام والصديقين والشهداء يكونون فى جوار الرب يوم القيامة فوق عرشه.

فالتابوت وعصا موسى وحجره الذى تفجرت منه ينابيع الماء، وصنع السفينة قبل الطوفان، وناقة صالح، وحمل سارة بإسحاق بعد اليأس، وبناء بيت للرب، وعمل مذبح عليه أمام الرب وماء المعمودية، كل تلك إشارات من إشارات الكتب السماوية تنكشف غوامضها للمقربين المحبوبين، وكذلك الأرض المقدسة والصخرة المقدسة.
فالله سبحانه وتعالى بارك فى النار التى أقلى فيها سيدنا إبراهيم، وأبقى فيها الإشراق وأبطل منها الإحراق، وبارك فى ناقة صالح فكانت وجهة أمته، وبارك فى حمار العزير فكان آية كبرى، وبارك فى كلب أهل الكهف فكان عجيبة للعقول، وبارك فى عصا موسى فكانت ككلمة كن.

وكم بارك لأنبيائه ورسله: فمنهم من جعله يقبض الحديد محميا بيده، ومنهم من جعل له بساطه يحمله ويمشى به فى الهواء، ومنهم من بارك له فى يده فكان لا يمس بها ميتا إلا أحياه الله، ولا مريضاً إلا شفاه الله؛ وكل تلك آثار رسله عليهم الصلاة والسلام.

عن أحمد الدويري

قد يعجبك