الأربعاء 23 ربيع الأول 1441 الموافق 20 نوفمبر 2019
الرئيسية » مقالات » أعمدة » شادي زعبل| يكتب: الجميع يتحمل دم ضحية القطار

شادي زعبل| يكتب: الجميع يتحمل دم ضحية القطار

شادي زعبل

شادي زعبل

بعد أيام قليلة من واقعة مقتل شهيد الشهامة محمود البنا على يد محمد راجح وتولي القضاء المصري محاكمة المتهم والضجة الكبرى التي شهدتها مواقع التواصل الاجتماعي بسبب هذه الواقعة .

شهيد جديد لكن هذه المرة ليس من أجل الشهامة بل من أجل لقمة العيش شاب لا حول له ولا قوة يبيع بعض الإكسسوارات داخل القطارات ليجني بعض المال لينفق على أسرته فيموت تحت عجلات القطار.

محمد عيد أو شهيد القطار ولقمة العيش ذلك الشاب الذي لم يتجاوز عمره الثالثة والعشرين سعى مثل الكثير من الشباب ورا مصدر رزق ودخل له لكي يعول أسرته فلم يجد سوى بعض الإكسسوارات التي يقوم بتصنيعها وبيعها للمواطنين.

يستقل القطار من صباح اليوم ويتنقل من خطوط المحافظات المختلفة من أجل مبلغ زهيد يكسبه في لقمة عيش حلال وتكون مصدراً لدخله.

في صباح الإثنين استقل قطار الإسكندرية المتوجه إلى الأقصر أملاً في بيع بعض القطع وأن يعود على متن القطار المعاكس ولم يكن يدري أن تلك ستكون رحلته الأخيرة.

توقف القطار في طنطا وإذا به يتجول في العربات ليصطدم بالكمسري الذي يطالبه بالتذكرة فيرد عليه ضحية القطار أنه يعمل على باب الله أملاً في أن يحنو عليه فطالبه بالغرامة.

الطبيعي والمتوقع أن يكون البائع لا يملك الـ 70 جنيه ثمن تذكرة القطار وكان هذا رد الضحية محمد عيد، فطالبه الكمسري بالقفز من القطار لا تتعجب فلا احكي قصة غير واقعية بل هذا ما حدث بالفعل أمس على لسان شهود العيان.

تسائلت مع نفسي أمس دم ذلك الشاب في رقبة من؟ هل هو في رقبة الكمسري ومسؤول القطار؟ أم مسؤول القطار؟ أم هيئة السكة الحديد ووزارة النقل؟

بعد تفكير طويل وجدت أن جميع ركاب القطار هم المسؤولون عن تلك الواقعة فيجب جميعاً أن يتحاكموا أمام ضمائرهم التي سمحت لشاب أن يلقي نفسه من الباب بسبب 70 جنيه.

لا أعلم ما جاء في بال ذلك الكمسري فور إلقاءه هذا الطلب على الشاب هل كان يمزح؟ أم أنه كان يرغب في رؤية حادثة قتل أمام عينيه؟

نعود للركاب الذين كان يجب أن يتدخلوا في تلك الواقعة حينها كانوا يستطيعون أن يقنعوا الكمسري أو حتى في العربة التي بها أكثر من 50 راكب كان لكل فرد منهم أن يخرج من جيبه جنيه واحد.

سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله قال في أحد أحاديثه التي رواها أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان؛ رواه مسلم.

فهذا نص صريح من المصطفى صلى الله عليه وسلم بأن المغير للمنكر لا يلزمه إزالته بطريقة واحدة، بل عليه أن يغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وهذا أقل الأحوال.

فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن إنكار المنكر على هذه الوجوه الثلاثة على حسب الإمكان، ودل على أنه إن لم يستطع تغييره بيده فعليه تغييره بلسانه، ثم إن لم يكن ذلك فليس عليه أكثر من إنكاره بقلبه.

فاجتهادي الشخصي إن لم يغيره بالوسائل والطرق التي ذكرها نبينا في حديث بلسانه أو بيده أو بقلبه فيأثم.

أي أن ركاب عربة القطار التي قفز منها ضحية القطار ولقمة العيش محمد عيد يتحملون إثم ويشاركون في دم هذا الشاب لأنهم رأوا المنكر ولم يغيروه التغيير ليس فقط بالاعتراض قد يكون بالكلمة أو بغيرها.

فكما ذكرت كان بإمكان أي من الركاب أن يحاول السيطرة على الموقف وإقناع ذلك الكمسري بأن يترك هذا الشاب أو أضعف الإيمان أن يقوم بدفع ثمن تلك التذكرة له.

تلك الواقعة تفتح أبواباً أخرى كثيرة وهي أن الكمسري لم يراجع نفسه وإن كان مجرد قد قال ذلك الشئ للشاب من باب الترهيب لكي يدفع المال حسب ما قال في التحقيقات.

الواقعة تنذر بجرس مخيف يقول أن المواطن وروحه أصبحت بدون قيمة برامج كثيرة تعرض مواقف تأثر إنسان بمريض أو بطفل غير قادر على العيش أو شخص يحتاج للمساعدة بدون تردد يتدخل المصريين لكن أين أولاك ؟

هل تحولت روح الإنسان لمجرد قيمة تقدر بما يحمله في جيبه من مال؟ أم أن ثقافة وعقلية المواطن تتغير للأسوأ رغم أن الواقعة قد  تحدث وتتكرر لكن بشاعتها في القيمة التي ألقى الشاب نفسه بسببها.

هل روح محمد عيد تساوي 70 جنيه؟ هل ألقى بنفسه بسبب إلحاح الكمسري أم خوفاً من تسليمه للشرطة ؟ يجب على أجهزة الدولة البحث في ذلك الموضوع لكي لا يتكرر.

في الحقيقة لم استوعب الموقف هل طلب الكمسري فعلاً منه ولو على سبيل التخويف إلقاء نفسه ؟ هل استطاع الكمسري أن يسيطر على القطار من كل المتجولين والشحاذين والمتسولين وبقي هذا الشاب فقط؟

لا استطيع تفسير ما فعله الكمسري برغم كل تلك التحليلات لكن ما أعرفه جيداً إننا أمام كارثة بكل المقاييس حينما يطلب شخص من آخر إلقاء نفسه من قطار متحرك من أجل مبلغ زهيد.

في الواقع لا أقول أن نهمل حق الدولة ودفع قيمة الخدمات التي يستفيد منها المواطن كالقطارات، لكن هل رأى الكمسري أن الـ 70 جنيه تلك ستحل مشاكل العالم ؟

أم أنه تحدى ذلك الشاب المكافح لكي يظهر للعربة أن هناك كمسري مغواراً لا يترك أحداً ولا يهمل حق الدولة ويؤدي واجبه على أكمل وجه.

طلبي من كل المنابر الإعلامية تناول الموضوع من اتجاه آخر وهو كيف تحولت حياة وروح إنسان شيئاً رخيصاً لقاء مبلغ من المال.

قد يعجبك