الاثنين 06 شعبان 1441 الموافق 30 مارس 2020
تابع احصائيات فيروس كورونا حول العالم لحظة بلحظة (تحديث مباشر)
الرئيسية » مقالات » مقالات القراء » عبد الله إسماعيل | يكتب : “هاتولي راجل”

عبد الله إسماعيل | يكتب : “هاتولي راجل”

 

هاتولي راجل , أو ائتوني برجل , كان هذا مطلب الشيخ السلفي د. محمود شعبان أستاذ بلاغة القرآن الكريم في جامعة الأزهر , والطلب موجّه للإعلام المصري الذي أتى بالمذيعة شهيرة أمين المتبرجة على حد قوله , وهو قول لم يخالف ما حدث من حيث الشرع , ولكن خالف ما يسميه الكثير منا الذوق العام أو الإتيكيت , حيث يُجري التلفزيون المصري –المليء بالمتبرجات- حواراً للمرة الأولى مع رئيس الجمهورية المنتخب , ولا بد أن يأخذ الشكل الرسمي السائد لدى التلفزيون منذ بدء بث برامجه عام 1960م .


وهنا قرر التلفزيون أن يظهر بواجهته ومذيعيه وكادراته وشادوهاته وإضاءته الواسعة التي جعلت من مشهد اللقاء متواضع وكأنهم يشكُون للرئيس بُؤس حالهم وضعف إمكاناتهم , ولكن لا يهم سوء الإستعداد للحوار أكثر من طريقة إدارته , فالمهم أن ينقل كل تساؤلات الشارع من خلال أسئلة صعبة قادها الشارع المصري المعارض و بلورتها وسائل الإعلام بعد إصدار الإعلان الدستوري الأول المثير للجدل , أسئلة تجعل السيد الرئيس في موضع المتهم ! فإن أجاب عليها , فكأنه يعترف بذنبه , وهذا جعل كل من يشاهد اللقاء يظن أن الرئيس لا يريد الإجابة .

هاتولي راجل , أو ائتوني برجل , الحق أقول : أنه كان يجدر بالدكتور محمود شعبان أن يوجّه طلبه إلى السيد الرئيس الذي رضى أن يدير الحوار مع ثنائي مكوّن من رجل وامرأة متبرّجة ! وفي واقع الأمر فالسيد الرئيس لا يستطيع أن يجيب الشيخ على طلبه ؛ لأنه كما وعد رئيس لكل المصريين بلا استثناء . وهناك سبب محوري آخر في عدم إجابة طلبه يتمثّل في فارق الإلتزام وتطبيق أحكام وفروض الدين بين الإخوان والسلفيين , فأذكر موقف للشيخ محمد حسان العالم السلفي الكبير في قناة اقرأ , وقبل البدء في التصوير رأى فتيات متبرجات غير محجبات على المسرح , فرفض أن يسجل الحلقة لأنه يجلس في حضور نساء يبدين زينتهن فآثر أن يطبق حكم الشرع واعتذر .


وهنا أصل المشكلة ؛ أنّ كلاً يرى الدين من وجهة نظره ويفسّر الأحكام على هواه , ويستجلب حكم الضرورات ليبيح المحظورات . ولكن على العكس فالحكم الشرعي ثابت و الإنسان العامل به هو المتغير , فإما مؤدي وإما مقصّر , ولدينا في القرآن الكريم ما يشرح هذا الاختلاف في العمل بالمنهج كما قال تعالى : بسم الله الرحمن الرحيم ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير ) . ويأتي التصنيف الربّاني خير من كل التصنيفات التي نراها أمامنا على الساحة في مصر من إخوان وسلفيين وليبراليين وغيرهم :
فكل من فرّط في بعض الواجبات وترك بعض المحرمات فهو ظالم لنفسه . وكل من أدى الواجبات وترك المحرمات وفعل بعض المستحبات وترك بعض المكروهات فهو مقتصد . وكل من ترك المحرمات وفعل الواجبات وحقق المستحبات ونأى بنفسه عن المكروهات فهو سابق بالخيرات .
لا يهمني في ذلك التصنيف كُنْهَ الفاعل , أو هويّة المُمسك , سواءا كان رئيس الجمهورية , أو كان دكتور في الأزهر , أو كانت مذيعة غير محجبة في اتحاد الإذاعة والتلفزيون . ولا يهمني أن يأتوه برجل أو لا يأتوه , فما دمت داعية إلى الله تعالى فتذّكر أن الدعوة التي حملتها كداعية مهددة بأن تكون غير خالصة لله , وعلى غير الهدي القرآني الذي يستلزم الحكمة والموعظة الحسنة , وعُذرك في ذلك سوء ممارسة السياسيين الإسلاميين والليبراليين على سواء , فوضعت نفسك في مواجهة أبواق الإعلام المُضلِّل , وياله من انحدار أن ينشغل علماء الدين وشيوخ الإسلام بالرد والهجوم على قناة أو مذيع , و الدفاع عن الرئيس ذو المنهج السياسي الإسلامي .

إن الدعوة التي عملت عليها يا فضيلة الداعية لعشرات السنين لتُخرج الإسلام من المحراب إلى خارج المسجد من خلال شرح شمولية الإسلام , وكيف أن تعاليم الدين شاملة للفرد في حياته وممشاه وعمله ومأكله ونومه وحتى دخوله الخلاء والخروج منه , وكذلك شمول الدين على تعاليم اجتماعية وأحكام يعم بها الأمن والأمان في المجتمع إن أقام حدود الله , تأخذ منحنى خطير , حين تُخالط وتصارع السياسة في هذا التوقيت الذي يسوده الصّراع وعدم احترام الآخر بين الإسلاميين والليبراليين , فيصبح لسان الداعية ملوّث بقبح وخبث السياسة , وقلبه ممزوج بمكر وحب مقعد الرئاسة . فالدعوة تحتاج جواً هادئاً لا ضجيج فيه ولا لغو , وتحتاج كذلك خطابا موحِّدا وجامعا , غير مفرّق ولا تابع .

 

عن Eman Salem

كاتب صحفي ورئيس تحرير موقع الشرقية توداي

قد يعجبك