أخبار العالم

قصة أم مصرية منعت ابنها من دخول المدرسة

 

ed4ecf91-88c5-4ad1-bfa2-074e37310b21

 

رغم شهوره السِت، إلا أنه يصحَب والدته إلى سوق الخُضار، يتعرَف على الخُضر والفاكهة هُنالك، ويتجوّل معها في طُرقات وسط البلد، برداءه الطفوليّ الملئ بالزهور، والذي يشي باسمه الذي لا يُشبه أحدًا «ورد». وفيم طوّر الصغير ذوقه الموسيقيّ مُبكرًا جدًا، حتى قبل أن يولَد، بواسطة والدته «أم ورد»، أو «آية عبده محمد»، بعدما جمّدت كافة طموحتها ومشروعاتها في الحياة لأجل غير مُسمى، ويُصبح «ورد» هو مشروعها الخاص.

«ورد» لن يذهب إلى المدرسة، قرار اتخذته «آية» وزوجها، قبيل مجيء «ورد» إلى العالم، وبالرغم مما يبدو عليه القرار من مُخاطرة، إلا أنه لديه من الأسباب المنطقية ما يجعله «عين العقل»، على حد تعبير آية، التي تُسرف في شرح المُبررات في كُل مرة تُسأل فيها عن مشروع تعليم ورد منزليًا.

تسترجع «آية» خبراتها ومعارفها المدرسية، فلا تستطيع أن تتذكّر حرف من آخر وأقرب دروسها المدرسية، تُشرك من يتحدّث معها غالبًا في تجربة التذكُر تلك، وحينما تصل مع محدثها لنتيجة أن أحدٌ لم يستفد من مشواره المدرسيّ، تتقدّم خطوة في سبيل إقناعك بجدوى مشروعها.

«أنا مستخسرة عُمري وعُمره»، هكذا تصوغ «آية» سببها الأوجه في مشروع تعليم «ورد» منزليًا، لتُعيد تعريف الأمومة ومحبة الأبناء عن طريق استعدادها لبذل جُهدها وعُمرها وحتى استنفاذ أعصابها في شرح الأمر في كُل مرة تُقابَل فيها بالاستغراب ولسان حال المُستمع «يعني إيه هتربي ابنك صح وإحنا عيالنا مظلومين؟».

«المدرسة تقتُل الطموح»، تخاف «آية» على مشروع عُمرها «ورد» التي وضعت له خطوطًا عريضة مُلخصها أن يكون «مش أي طفل» بلا حدود من الذكاء والإبداع والحُرية والضمير. وفي حين قد تزرع المدرسة في «ورد» شعورًا بالظلم، فيُعاني الطفل  من أحكام مُسبقة ومُعلبة تتمنى والدته لطفلها المُحبب ألا يمُر بها، استقر في وجدانها أن يكون انتظامه في المدرسة أمرًا مُستبعدًا.

والِد «ورد» فنان تشكيلي، كانت له تجربة سابقة متناهية القصر من العمل كمُدرس، ربُما لم تتعد أشهرًا معدودة، آمن بعدها بفساد المنظومة التعليمية لتكون سببًا مُباشرًا في تركه وظيفة المُدرس، وتجعل مهمة إقناعه بخطوة تجنيب «ورد» الذهاب إلى المدرسة مُهمة سهلة بالنسبة لآية.

مُجتمَع التعليم المنزلي في مصر، والذي يتكون من 50 إلى 100 أسرة قررت أن تُعلم أبناءها مدرسيًا، فيم سهلت مواقع التواصُل الاجتماعي تبادُل الخبرات بين الأمهات في هذا الشأن، كُلها أشياء بددت مخاوف «آية» من أن يكون «ورد» منبوذًا اجتماعيًا، فمجتمع النادي، ومجتمع أسر التعليم المنزلي الذي لا تتوانى أي أُم فيه عن نقل الخبرة، كبدائل عن مجتمع المدرسة «غير الصحي».

«إحنا هنقدّمله في مدرسة كدة كدة»، تشرح آية خطتها في تعليم «ورد»، عن طريق إلحاقه في كشوف وزارة التربية والتعليم، ولكن دونما انتظام في المدرسة، في حين يجتاز الامتحانات بالتوازي مع تقدمه في مناهج «التعليم المنزلي»، حتى لا تُفوّت عليه فُرصة الالتحاق بأي جامعة مصرية أو أي منحة تعليم في الخارج، تستوجب شهادة وزارة التربية والتعليم.

مخاوف «آية» غير التقليدية فيم يخُص «مشروع ورد» هي المخاوف الأكثر تعقيدًا فلا تستطيع التغلُب عليها تمامًا، فهي من تملك مفاتيح ودهاليز «قصة ورد» على حد تعبيرها، الأمر الذي يجعل مرضها مثلاً أو عدم قدرتها على الحفاظ للأسرة على قدر من الاستقرار المكاني والعاطفي في نفس الوقت، أمورًا مُرعبة وقادرة على إنتاج قدر عملاق من المخاوف فيم يخُص استمرارية ونجاح المشروع.

تلمع عينا «آية» أثناء الحديث عن طفولة «ورد» المُبكرة، حيث تتذكر أنه لم يخذلها في أمنيتها أن يكون وليدها «مش زي أي طفل»، وتُعدد المرات التي أبهرتها استجاباته وجعلتها تشعُر أن قرارها صائبًا، وكان أولها محاولات تواصلها عه وهو مايزال جنينًا في رحمها، وتفاعُله مع الموسيقا التى تُديرها له، وتفضيله لمقطوعات بعينها، وعزوفه عن أخرى. فيم تستدل بقراءاتها في مجال التربية وعلم نفس النمو بأن إدراك «ورد» ذي الستة أشهر هو إدراك طفل يبلُغ من العُمر تسعة أشهُر.

ترفُض أخيرًا «آية» أن تحلُم لورد، فمنذ يوم ميلاده قررت أن يكون إنسان مُستقِل يخطط لنفسه ولا يُجبر على شيء؛ «هو مش لعبة عندي»، فيم تجمُل دورها ووالده في أن يساعدوه على أن يبني ضميره الخاص به، وتنمية مهاراته، ليُقرر بعدها مايُريد أن يكونه.

أما عن أحلامها لنفسها، فتضع ورد في المقام الأول، على نحو يقدِم وجودها على وجوده وطموح الأم على طموحاتها العملية، على الأقل في سنواته الأولى، تقول آية «أتمنى أكون الأم اللي هو محتاجها، مش هو يكون الابن اللي أنا محتاجاه، عايزاه بس هو يرضى». وعن حُلم  أكثر تحديدًا ومادية، تقول أنها تخطط في المستقبل تأسيس كيان أهلي يشجّع ويدعم فكرة «التعليم المنزلي» بمشاركة زوجها والاستفادة من معارفها ومهاراتها كي يكون لعدد أكبر من الأطفال فُرصة في تعليم أجود مثل «ورد».

المصدر

أحمد الدويري

كاتب صحفي منذ عام 2011 ، أكتب جميع أنواع قوالب الصحافة، تعلمت الكتابة بشكل جيد جدًا من خلال موقع الشرقية توداي الذي انضممت له منذ عام 2012 وحتى الآن
زر الذهاب إلى الأعلى