أخبار عامة

قصة حياة أصغر ناجٍ من عبارة السلام

دكتورة طب نفسى اعتادت استقباله لسنوات.. يحكى عن ذكريات تلاحقه.. أحداث لا تفارق مخيلته، «البحر.. الظلام.. العبارة» التى أفقدته أسرته بالكامل، ليعيش يتيما منذ عمر الخمس سنوات، حتى صار الآن فى السابعة عشرة ولايزال يعانى من تبعات الحادث الأليم.
لم يستطع مرور الوقت أن ينٌسى محمد أحمد، ما مر به يوم الثالث من فبراير عام 2006، داخل عبارة السلام 98، التى فقد فيها والدته ووالده وأخوه وأخته، اللذين كان يكبرهما.

يومان قضاهما محمد داخل البحر، يصارع الأمواج، حتى خرج للبر مرة أخرى، فتح عينيه على حياة مختلفة، حياة بين عائلتين، الخال والعم، تنقل بين الاثنين وهو يعتقد أنها مرحلة عابرة لن تستمر، وسيفتح والديه يوما ما الباب ليأخذوه حيث كانوا فى السعودية.

استقر الحال بـ«محمد» عند أسرة والدته، بين جدته وخالته و(خلانه الاثنين)، خلال هذه الفترة عايش خاله الأصغر محمد مختار، كل ما مر بالطفل لحظة بلحظة، من الكوابيس، والذعر، والبكاء، حتى تفاجأوا بأن أصغر ناجى من العبارة، قد فقد النطق، لم يتمكن من الكلام لشهور، يقول خاله: «لفيت بيه على دكاترة كتير، لغاية ما استقرينا على دكتورة طب نفسى فى القاهرة، كملت مع محمد رحلة علاجه».

حاولت الدكتورة علاج الكثير من المشاكل النفسية التى تحاصر محمد، ساعدته على المقدرة على الكلام مرة أخرى، علاج اللعثمة التى صاحبته، يقول محمد: «كانت بتحاول تفتح معايا أى كلام وتحاول تطلع اللى جوايا».

تنبأ الجميع بسرعة زوال أزمات محمد النفسية فهو صغير فى السن ومن السهل أن ينسى ما حدث، لكن ماحدث مع محمد كان العكس تماماً، فمازال يعانى من آلام الحادث، يتذكره تفصيلياً، ويقول: «أنا فاكر كل حاجة، فاكرها كأنها حصلت إمبارح، كل ما بشوف مايه بفتكرها». يخشى الخال من حديث الدكتورة، يؤرقه مجرد التفكير أن كابوس العبارة لن ينتهى مع محمد، ويضيف: «قالتلى كل ما يكبر الموضوع هيزيد معاه، مادام منسيش من وهو صغير، لسه هاتقبلوا صعوبات».

يثير محمد حيرة كل من حوله، فهو يرفض تماما الحديث عن تفاصيل الحادث، ويكتفى بالعزلة ومشاهدة صور العائلة القديمة وكتابة «بوستات» على «فيسبوك» يعبر فيها عن مدى اشتياقه لوالدته، وحياة الأسرة المستقرة، يقول مختار: «عنده حاجات وأحاسيس مخبيها جواه، محدش عارفها، هو بس اللى يعرفها، وأنا مش عارف أطلعها».

يحاول محمد أن يكسر الحاجز الذى يضعه بين نفسه وبين الناس فى الحديث عن العبارة وعن أهله، يعبر عن مدى الفضول الذى يجتاحه فى كثير من الأحيان لمعرفة الكثير عن حياته وذكرياته مع أسرته، يقول: «ببقى نفسى أعرف كانوا عايشين فين فى السعودية، مواليد سنة كام وشهر إيه، ببقى عايز أدور لكن مارضاش، عشان أهلى اللى عايش معاهم ميضايقوش، وميحسوش إنى لسه فاكر ومضايق».

أصبحت الأجندة السنوية مؤرقة يتجاهلها محمد فى شهر فبراير من كل عام، يقول: «مش ببص فيها خالص، بقفل حتى فيسبوك عشان مقعدش أشوف تعليقات الناس عن الحادثة» حيث تظهر أمامه صورته فى كل مكان. أما فى ذكرى الحادث للتذكير بالضحايا وأهاليهم، أو فى سياق حوادث أخرى: «ساعة عبارة رشيد فضلوا يجيبوا صورى عشان يقولوا إن مفيش حد جاله حقه».

«محمد بس، مش محمد بتاع العبارة» جملة يكررها فى ذهنه مراراً وتكراراً، يسعى لأن تصل للناس ويضيف: «الناس اللى عرفتنى وأنا كبير، مش لازم يعرفوا انى بتاع العبارة ويقعدوا يسألونى عن الحادثة».

بالرغم من صغر سن محمد، إلا أنه يعى تماما أن ما تلى الحادثة ومحاكمتها لم تكن عادلة أو منصفة على الإطلاق: «مبارك هو السبب اللى خلى الناس هربت، حتى اللى أخدوا 7 سنين، كأنهم رموا للأهالى عضمة، يعنى إيه 7 سنين، أقل حاجة مؤبد، والمؤبد قليل، لازم إعدام».

أثرت الحادثة وتبعاتها على قرارات محمد فى الحياة، فأصبح يتمنى أن يلتحق بكلية حقوق، ليكون وكيل نيابة أو محامى: «هحاول أجيب للناس حقوقها، عشان مكونش زى اللى كانوا أيام العبارة».

وسط حياة محمد التى اعتاد عليها، وسط ذكرياته التى تأبى أن تتركه، ووسط أزماته النفسية، لا يتمنى محمد سوى أن يعيش حياة طبيعية خالية من الذكريات والمشاكل، ناهياً حديثه: «عايز المستقبل يكون بتاعى.. عايز أكمل».

أحمد الدويري

كاتب صحفي منذ عام 2011 ، أكتب جميع أنواع قوالب الصحافة، تعلمت الكتابة بشكل جيد جدًا من خلال موقع الشرقية توداي الذي انضممت له منذ عام 2012 وحتى الآن
زر الذهاب إلى الأعلى