الثلاثاء 15 ربيع الأول 1441 الموافق 12 نوفمبر 2019
الرئيسية » مقالات » مقالات القراء » محمد فتحي الجابري يكتب : خبز وحشيش وقمر وقطار

محمد فتحي الجابري يكتب : خبز وحشيش وقمر وقطار

قصة قصيرة حقيقية وغريبة جدا

يقولون أن الكُتاب والمبدعين دائما ما يكون لديهم لمحة من جنون أو ما يسمونه الشطحات ، وكل مبدع تختلف حالته الجنونية عن الأخر ولا أدري هل يعتبر غرورا مني أن أضع نفسي في مصاف المدبعين أم لا ؟ إلا أنني أعترف أن لدي الكثير من الشطحات واللمحات الجنونية .
يعرف المُقربون مني أنني أعشق القطارات ودوما ما يأتيني إلهام الكتابة وأنا علي متن القطار . وقد كتبتُ قصيدة بعنوان )متي يعودُ القطارُ ؟؟..(

 

وخاطرة نثرية بعنوان ) ومازال يمضي القطار…. (
ثم كتبتُ قصة قصيرة بعنوان )لقاء عابر علي رصيف الضياع….( وكانت أيضا في قطار .. وقد فازت هذة القصه بالمركز الأول علي مستوي جامعة الزقازيق عام 2008

المهم أنني كنتُ في ليلةٍ من ليالي الشتاء الباردة الجميلة المقمرة حيث كان القمرُ بدرا وفي أبهى حُللهِ وكنتُ أسير في الطرقات علي غير هدى لا أعرفُ أين أذهب وساقتني قدمايا إلي محطة القطار وجلستُ علي مقعد طويل فارغ وأشعلتُ إحدي سجائري وأنا ألملم عليّ معطفي وأنظر للمسافرين الذين يمتص البرد أحلامهم ويعصف السقيع برحلاتهم ، وجاء القطار ، ظلتْ رغبة قوية داخلي تُلحُ عليّ أن أركب ، أركب القطار؟؟ إلي أين؟
لا يهم سأركب ثم سأترجل في اي محطة وأعود أدراجي بقطارٍ أخر فأنا أفعل هذا الأمر حينما أشعر برغبة للقطار ، وتحرك القطار ومازالت الرغبة تنمو داخي وقبل أن يمضي القطار عن الرصيف كنتُ أقفز في أخر عرباتهِ والمُسماة ب( السبنسة).

كان معي في القطار شخصان أنا ثالثهما .
بالنسبة لي كانت عربات القطار الدرجة الثالثة بمقاعدها المُكسرة ونوافذها المعطلة شيئا جميلا أحبهُ ، وصوت الرياح الذي يبعث الرجفة في الأبدان مع صوت القطار وضوضاءه كان جوا بالنسبة لي ممتعا وخرافيا ربما يتعجب البعض من ذلك ولكن كما يُقال فللرجالِ فيما يعشقون مذاهب .
أشعلتُ لفافة تبغ اخري وأنا علي مقعدي بجوار النافذة رغم منع التدخين في القطارات ولكن المصريون يعلمون جيدا أن اي قانون قد وضع لنكسره أو نتجاهله شيئا من هذا القبيل ، وجاءني المُحصل وفي يدي السيجارة ولم يعترض بتاتا فقط حجزتُ تذكرةً إلي القاهرة ، الساعة الأن الثامنة ولا أدري متى سأصل للقاهرة أو متي سأعود إلي أبو حماد مرةً أخرى.

وظل القطار يسير وبدأت الأمطار تنهال ليذداد الجو تشويقا وجمالا ، أنا في قمة المُتعة بينما الجالسان معي في القطار يلعنان الظروف التي إضطرتهما للسفر في مثل هذة الأجواء ، ورذاذ المطر يضرب وجهي والرجفة تذداد وسيجارة تلو الأخري ولم تتوقف الأمطار إلا في محطة بنها ومع توقف الأمطار نفدتْ مني السجائر ووقف القطار في بنها ، ترجلتُ عن القطار وذهبتُ لكشك السجائر الموجود علي الرصيف كي أبتاع علبة سجائر أخرى وإذا بصوتٍ خلفي يقول
_ ) ياااااااااااااااااه دا الدنيا صغيرة قوي يا جدعان (
إلتقت لأجد خالد عبد المقصود أحد زُملاء الثانوية العامة ، تعانقنا وقال
_ عاش من شافك يا راجل ، انت بتعمل ايه هنا ؟
وارتبكت ماذا أقول له لو أخبرته بالحقيقة سيسخر مني جدا وحقا ماذا أفعل في بنها ؟؟ كان يمكنني التملص منه وألحق بالقطار إلا أنني قلت
_ أبدا بتمشى شوية
نظر لي في دهشة ثم قال
_ نعم يا اخويا بتتمشى ايه يعني جاي من ابوحماد مشي ، دا انت اتأخرت قوي
وظل يضحك ، ناولتهُ سيجارة وأشعلت لنفسي أخري وقلت
_ أه والله بجد بتمشى
ضحك مرة أخري وقال

يا أخي الشُعرا دول ليهم حاجات غريبة ، قشطة يا برنس طالما بتتمشي ومش وراك حاجة إنت ضيفي الليلة
حاولتُ التملص منه لكنه أصر وقال
_ متحاولش النهاردة دُخلة أخويا وهاتيجي غصبن عنك
فقلت له _ يا خالد هتأخر كدة ومش هلحق لا القطر ولا المواصلات ، الساعة عدت تسعه يا عم والجو شتا والسواقين بتنام بدري
قال في حماسة
_ ومالو يا عم ايه اللي فيها أنت في بيتك يا جدع هتبات عندي الليلة
كان مُصمما وذهبتُ معه ،إشترى في طريقة الكثير من زجاجات الجعة ثم ركبنا سيارة نصف نقل وذهبنا إلي العُرس كان العُرس في إحدى القرى التابعه لمدينة بنها ، كان عُرسا شعبيا ، مسرح خشبي طويل تعلوه الكثير من الفتيات الاتي يحركن اجسادهن في حركات بذيئة ومثيرة ويسمون هذا رقصا ، وأمام المسرح مساحة واسعة فُرشتْ بالحصير الخشبي والبلاستيكي برغم ما سببه المطر ألا أنهم قد فرشوا الأرض بالرمال والناس يجلسون جماعات وكل جماعة أمامها تتقد النيران والحطب وبدأ الناس يتوافدون بكثرة وأغلبهم يرمقني وكأنهم يتساءلون من هذا الشخص الغريب وربما ظنني البعض منهم حكومة بينما القطط تتجول في المكان غير عابئة بشئ ، كان خالد مشغولا فأخذني من يدي إلي مجموعة شباب أغلبهم يجلس القرفصاء وعرفني عليهم وطلب مني الجلوس معهم .
جلستُ معهم وكان الدخانُ كثيفا ورائحتهُ مميزة جلستُ بجوار شخص يُدعي (أحمد سَكَلانة) ولا يسألني أحد ما معني هذا الإسم لأنني حقا لا أعلم ، أراد سكلانة أن يكرمني إكرام الضيف بحق فقلب السيجارة التي في فمة حتي اصبحت نار السيجارة داخل فمه بينما الفلتر خارجها وطرق علي كتفي وأشار بيده أن إقترب إقتربتُ منه مُتسائلا فوضع يديه الإثنتين علي السيجارة كأنه يداريها ثم إقترب من وجهي ونفخ الدخان ، كانت كمية دخان رهيبة وكثيفة انطلقت نحوي لا أدري ماذا أصابني وقتها فقد طفقتُ أدلك عيني وأهز رأسي وظلوا جميعا يضحكون عليّ وقال سكلانة
_ إية رأيك في الباك ده ؟ بس انت شكلك ملكش فية

إبتسمت دون حديث والدخان الكثيف يتوغل نحو ذهني في حين بدأ الإحمرار يذحف علي عيني فقال سكلانة
_ ينهار اسود كل ده من باك واحد؟

جاء خالد ومعه بعض زجاجات الجعة وطبق به ترمس وأخر به فول سوداني ونظر لي ثم ضحك وقال للجالسين
_ بالراحة يا رجالة دا وِروِر مش كييف
ونادى أحد الجالسين علي خالد قائلا
_ عم خالد ، مفيش نُص تامول ؟
أشار خالد بسبابته علي عينيه وكأنه يقول ( من عنيا ) ثم أخرج من جيبه شريط حبوب قطع منه حبتان وأعطاهم له قائلا
_ قسّموا الحبايتين دول عليكو وملكوش دعوة بالضيف
وهجم الجالسون علي الشاب الذي أخذ الحبتان ليتقاسموا معه الغنيمة ، وعلى يساري كان هناك رجل كبير غالبا تعدى الأربعين من العمر يمسك بورقة كبيرة عليها كمية من نبات البانجو وأخذ ينظفة من بذوره وقام بلف سيجارة في هدوء تام وعندما انتهي منها قبّلها ثم اهداها لي قائلا
_ مساء الدلع يا معلم
إبتسمتُ ورفضت دون حديث فضحك سكلانة قائلا
_ مالك يا هندسة ؟
ثم وكزني بكوعه مُردفا _ ما تفك كدة إنت قافش لية؟
فقلت _ معلش أصلي مبشربش
فغمز بعينيه مُشيرا إلي المسرح قائلا
_ طب مفيش جُثة من دول عجباك ؟
_جُثة ؟!!
_ يا عم إحنا عايزين نوجّب معاك بأي طريقة خالد قال انك غالي علية قوي ، قولي بس انت دماغك اية وأنا اسنجفك.

ربّت علي كتفه مُبتسما وأنا أقول
_ متشغلش بالك بيا انا كدة تمام
_ طب خالد قالي إنك شاعر ومؤلف وكدة يعني
هززتُ رأسي دون حديث فتابع هو
_ والشاعر والمؤلف دا بيكتب مش كده؟
فقلت _ الشاعر والمؤلف بيكتب؟ تصدق فعلا صح إية المعلومة الجميلة دي
_ أمال ايه يا هندسة إحنا فاهمين برضه أنت فاكرنا عيال سرس ولا اية؟
_ عيال سرس؟!! إللي أعرفه ان إسمها عيال سيس
_ لا يا كبير عيال سيس دي كلمة الفرافير ولاموأخذة أما إحنا أدارجية نقول عيال سرس
فقلتُ في نفسي _ أدارجية ؟؟ عيال سرس ؟؟ إية المصطلحات دي؟
فتابع هو قائلا _ والمفروض بقي انك تجرب الحاجات دي وتعيش وسط الجو ده عشان تعرف تكتب عنه وتطلعه صح ، مش كدة ولا اية؟ أصبر بقي هعملك دبوس دلوقتي يخلي دماغك عنب وتقولهم صح
يعني ايه دبوس واية هما اللي هقولهم صح ؟ أنا فعلا مش عارف

 

الدخان يتكاثف أكثر فأكثر والراقصة البدينة تهز لحمها الرخيص بمنتهي  لتكاد تتصبب عرقا والسيوف والمديات تتعالي في الهواء وذهني بدأ يغيب وأنا أنظر لكل ما حولي إلي أن حدث ما يفيقني وبمنتهى الصدمة
فكل الأغاني التي تُبعث من السماعات الضخمة في هذا العرس هي تلك الأغاني التي تسمى خطأً أغاني شعبية لكنها كلها أغاني الحشاشين

وبدأت أغنية العبد والشيطان

أغنية غريبة تبدأ ب

(الاولة في الغرام

باسم الاله باديت وانا بغني
استغفر الله العظيم علي ما جري مني)

ثم تنتهي الأغني ب
( العبد قال للشيطان هسيبلك المعاصي واصون رسول الله
وان جيتلي هابعدك بآيات كتاب الله
وما دام هرجع اصلي مش هتعـــــــــرف توصلي)

إنها حقا مصيبة فكل من في العرس يرقص علي هذة الأغنية التي تبدو للوهلة الأولي أنها أغنيه دينية
وكل الحشاشين يدعون الله ، الأغنيه بها كلمات كرسول الله وأيات الله وأستغفر الله العظيم ، ماهذا الذي يحدث ؟؟ وبدأت أغنية أخري ذادت الطين بلة لا أدري ما اسمها ولا أتذكرها إلا أن بها كلمات كـــ سيدي لي لي لي لي روحي لي لي لي لي وأشياء من هذا القبيل كما أنها تبدا بــ( يا الله يا غفور يا رحيم ، إلحق يا عاصي التوبة قبل ما ينقفل عليك الباب )
وجميع المساطيل في العُرس تدعوا الله أن تُب علينا
الراقصة ترقص وترقص
والدخان يتكاثف
والأغاني تبدو دينية لكن يغنيها حشاش ويستمع لها حشاشون يرفعون زجاجات الجعه ويدعون الله .
هل ما يحدث حقيقي؟ أم انه من تأثير الدخان الملوث الذي يعبق المكان؟
الناس يتمايلون سُكارى ويدعون بحُرقةٍ ياااااااااارب
الفتيات علي المسرح يرقصن علي أغاني تدعو الله؟
نظرتُ للمخدرات التي تملئ المكان حولي ورفعت رأسي لأنظر للقمر البدر وتذكرتُ قصيدة نزار قباني ( خبز وحشيش وقمر )
والأغاني تتعالى

(العبد قال للشيطان) ( جوجوجوجوجوجو)
والأصوات تتداخل في أذني
( معاكش ترامادول يا سكلانة؟)
(ما تعلقلنا دبوس يا عم )
(فين المية يا جدعان؟ )
( ما تطلع وتبقشش ولا إنت ابن لذينا ؟ ما تولع وتحشش ولا انت في بنزينا ؟)
(يااااااااااااااااااااااااااااااارب)
الدخان يتكاثف وفتح الرجل الجالس إلي يساري مُديتهُ وكشف عن ذراعه وقام وهو يتمايل وأشار إلي العريس قائلا بصوت جهوري
_ ألف مبروك يا عريسنا
وظل يجرح ذراعه ودماءه تسيل ،نظرتُ للرجل في رعب فقال سكلانة
_ مالك يا عم ، عادي بيحي العريس
الذهول يقتلني فالناس يدعون الله بصدق ومن قلوبهم لكنهم يشربون الخمر والسجائر المليئم بالمخدرات في أصابعهم وافواههم ، كيف تجتمع الدعوة إلي الله بالحشيش والبانجو والتامول وكل هذة الموبقات ؟..
أخرج سكلانة قطعة حشيش صغيرة ووضعها في ورقة نقدية من فئة الربع جنية وأشعل تحته نيران قداحته وظل يفركها ثم وضع الكوب الزجاجي علي قطعة الحشيش وظل يضغط إلى أن صارت القطعة في حجم وشكل مشرط الحقن وأخرج سيجارة قطع جزء منها ثم ثقبها وعلق بها قطعة الحشيش وأشعل ترفها ثم أطفأهُ وثبت السيجارة في الكوب وقطعة الحشيش تتدلى للأسف وغطاه بورقة مقواة وبدأ الدخان يملئ الكوب ثم وضعهُ وقال لي
_ لما الكوباية تتملي تسحب الورقة حتة صغيرة وتحط مناخيرك وتشد يا معلم هتلاقي نفسك في عالم تاني ، وصدقني هتدعيلي
قرقرة الشيشة تتعالى ومازال الدخان يتكاثف بقوة والشباب يتحرشون بالراقصة علي المسرح والناس ملامحهم تاهت في بعضها وأنا الفضول يملؤني لإستنشاق هذا الدخان ورؤية العالم الذي سبنقلني له مع اني اعلم جيدا أن هذا الأمر مجرد وهم لكن لا مانع من التجربة .

جوجوجوجوجوجوجوجوجوجو
لي لي لي لي لي لي لي لي لي
يااااااااااااااااااااااااااااااااااااااارب
هرجع أصلي وأنسى اللي حصلي
إوعى المولد الجدييييييييييييييييييييييييد

وأخذتُ كوب الدخان وفعلتُ كما قال خالد ولم يكن وهما لأن الدنيا أظلمت أمامي ولم أدري ما حدث بعدها غير أن خالد أخبرني في الصباح أن دماغي كانت عالية جدا وقلت أحلى كلام
ومن يومها أقلعتُ عن عادة ركوب القطار إلي حيث لا أعلم ..

 

خالص تحياتي

محمد فتحي الجابري

[email protected]

 


قد يعجبك