أعمدةمقالات

وائل قنديل | يكتب : العميقة تستأسد

13712820871 shamelnt

غضب منى بعض الأصدقاء حين قلت نصا فى مقال الأمس: «إن من لا يريد أن يرى أن النزال العنيف الآن هو بين دولة مبارك ودولة ٢٥ يناير حر فيما يراه ويعتنقه، غير أن العقل يأبى أن يعتبر ثورة اختارت الخامس والعشرين موعدا لها، لتكون ثورة ضد قمع الشرطة بالأساس، شبيهة بأخرى تتصدرها مسيرات بوليسية بالزى الرسمى».

إن يناير كان شهر ميلاد الثورة، بينما يراد ليونيو أن يكون تاريخ وفاتها ومواراتها الثرى لتحقق مقولة الجنرال «ثورة على الثورة» وبالتالى فهى ثورة مضادة بامتياز».

واليوم أرجو أن يكون الأصدقاء قد تبينوا مواقع أقدامهم وتابعوا بدقة تلك الطلعات المكثفة لجحافل الدولة العميقة مساء الاثنين على جميع الفضائيات مشحونة بكميات هائلة من الثقة والتوثب على إثر بيان القوات المسلحة الذى تعلن سطوره أن الانقلابات ليست من عقيدتها، بينما يصرخ ما بين السطور ويزعق مضمون البيان بانقلاب أبيض أو أخضر ناعم هادئ أنيق.

وأرجو أن يتوقف الغاضبون عند هذا التزامن العجيب بين صدور البيان وبين هجمة رجال الدولة العميقة جوا، على الفضائيات، وبرا على منصات القضاء الذى حكم بعودة نائب عام مبارك، مسقطا من حساباته الدستور الذى تباهت القوات المسلحة بإشرافها على إجرائه، الذى ينص على عدم جواز عزل النائب العام.

ومرة أخرى من لا يريد أن يرى أن اللعب أصبح على المكشوف وأن الصراع على السلطة بين الدولتين صار واضحا كما لم يحدث من قبل فهو حر فيما يرى، غير أن القراءة الموضوعية لبيان القوات المسلحة تقول بجلاء إن الجيش صار مصدر السلطات فى مصر، يرفع من يشاء ويسقط من يشاء، مكرسا سيادة منطق القوة المادية على ما عداها، لتتوارى قيم الديمقراطية المستقرة والمبادئ الدستورية والغايات الثورية، ولتعلو قوة السلاح على قوة العقل والعدل وندخل زمن «الديمقراطية بالأمر المباشر».

إن ما يجرى الآن هو الإجهاز على ما تبقى من روح ثورة هتفت طويلا بضرورة إنهاء حكم العسكر، والارتداد العنيف إلى ما أسقطته ثورة يناير التى اخترعوا لها بديلا اسمه «يونيو» لكى تحال إلى الاستيداع.

لقد بحت الأصوات تطالب الرئيس المنتخب بالتأسيس لنظام جديد يختلف فى شكله وفلسفته مع نظام مبارك، وألا يترك نفسه لأحضان الدولة العميقة بحجة التصالح والوئام والسلام الاجتماعى والتطلع إلى المستقبل.. والحاصل أن حضن العميقة كان مزروعا بالشوك، وها هى تنشب أشواكها فى شرعية الرئيس ثم تقفز من السفينة التى اجتهدت لإغراقها.

وأذكر أن كتبت فى هذا المكان يوم ٣٠ يونيو من العام الماضى مخاطبا الرئيس ما يلى:

يكفى الرئيس الجديد احتفاء واحتفالا أن يخاطب شعبه ويصافحه فى ميدان الثورة من فوق منصة خشبية متواضعة، يصل إليها سيرا على أرض تخضبت بدماء شهداء صنعوا له ولنا هذا الحلم.

إن هذا الشعب صنع ثورته لكى يأتى بنظام حكم محترم ورئيس جديد يصل إلى مقعده سيرا على الأقدام وليس على متن عربة تجرها الخيول.. ويكفى الرئيس هتافات جموع الميدان وأغنياتهم البسيطة عوضا عن بهرجة احتفالات تشق بطن خزينة الدولة المريضة أصلا.

السيد الرئيس: لقد أعطاك الشعب السلطة فتسلمها منه مباشرة، وليعد «العسكرى» إلى ثكناته مشكورا، رغم كل الدماء والجراح.

بقلم | وائل قنديل

Eman Salem

كاتب صحفي ورئيس تحرير موقع الشرقية توداي
زر الذهاب إلى الأعلى