أعمدة

أحمد المسلماني | يكتب :مقدمة فى فلسفة الثورة (2)

245_2297475

على نحو عام، فإن موضوع الثورة يلفت الانتباه إلى عدد من المفارقات التى تستدعى الوقوف أمامها طويلاً.

(1) المفارقة الأولى تتمثل فى أن عدداً كبيراً من الثوريين الذين حملوا أرواحهم على أكفّهم لحظات الإعداد والانفلات لم يبقوا طويلاً بعد نجاح ثوراتهم، بل واصل حشد آخر لم يشارك معظمه فى لحظات الخطر وأوقات الشدة.

وربما يعود ذلك إلى أن الثوريين الأوائل ممن تحملوا المخاطر كانوا أكثر مسئولية تجاه الواقع، وربما أقل اندفاعاً فى طريقهم المغامر نحو الأفضل، ما دعا الآخرين لإزاحتهم خشية الفشل، أو أن يكون ما جرى تعديلاً أو تجميلاً يخرج من باب الثورة إلى باب التطوير.

وربما يعود إلى صراع السلطة بعد أن تحول الثوريون فى زمن خاطف من أناس من المستضعفين إلى نخبة من الحاكمين، فيكون لوقع السلطة ومذاقها الأثر الأكبر فى إدارة القوة والثورة فى البلاد.

ولعله يعود إلى وعى من قِبَل بعض الثوريين بأنه فى حالة النجاح لن يكون هناك استعداد أو تخطيط واضح لتلك المرحلة، ما يستدعى التجهيز لها، حتى إذا انطلقت الفرحة فى كل مكان كان هناك من يحوّل الفرحة إلى سلطة، وخطاب الانبهار إلى سلاح وقرار. ولعله أيضاً يعود إلى مصادفة وأقدار لا وعى فيها، فانتهز البعض ساحات الغضب الواسعة ليعيد تنظيم الفوضى وإدارة الغضب. ويذكر المصريون غياب الرئيس «محمد نجيب»، و«يوسف صديق» ثم «عبداللطيف البغدادى» عن واجهة الثورة المصرية بعد نجاحها، كما يذكر الجزائريون غياب الرئيس «أحمد بن بيلّا» عن الثورة الجزائرية بعد أن حازت مكانة دولية مرموقة، ويذكر العرب وغيرهم نماذج كثيرة لهذه الشهُب التى خبا وميضها لحظة الانطلاق.

(2) المفارقة الثانية: أن معظم الثورات كانت قاسية على أبنائها، فتحت دعاوى التطهير، و«اغتصاب المغتصبين»، و«لا حرية لأعداء الشعب»، و«اقتلوا الخونة والرجعيين».. راحت الثورات تعصف بأبنائها، وفى بعض التجارب تكوّنت أجهزة استخبارات متوحِّشة انحصرت مهمتها فى تصفية ما استطاعت من المواطنين حمايةً للثورة والثائرين. وإذ يتجلى هنا نموذج الزعيم السوفيتى «جوزيف ستالين» الذى قتل عدة ملايين تحت دعاوى مشابهة، فإن هذا النموذج يتباين حجماً ويتماثل وجوداً فى معظم الثورات الأخرى.

بل إن بعض الثورات كانت أكثر دفئاً وحنيناً تجاه الخارج، فى الوقت الذى كانت فيه أكثر ضراوة وخشونة تجاه الداخل، ويرى بعض المثقفين أن تجربة الرئيس «جمال عبدالناصر» كانت بالغة المودَّة ناحية الشعوب العربية، لكنها كانت جافَّة فى مواجهة المصريين، أما الرئيس «صدام حسين»، الذى ورث الثورة العراقية، فقد كان ودوداً مع الشعوب العربية ومجرم حرب فى مواجهة الشعب العراقى، ويذكر ملايين المصريين الذين توافدوا على بلاده فى عقد الثمانينات أنه كان أكثر انحيازاً للجالية المصرية، وللعرب المقيمين مما كان تجاه جموع العراقيين.

(3) المفارقة الثالثة: أن معظم الثورات بدأت طَموحاً نحو الخارج، وتحت شعار تصدير الثورة انطلقت خطب الثوريين تهاجم النظم الحاكمة المجاورة، وكان أبرز شعارات التصدير هو الوحدة، وبرز لدى أغلب الثورات حلم إمبراطورى بالتوسع والانتشار، والتحول من ثورة إلى سلطة، ومن سلطة داخل بلد واحد إلى سلطة متعددة الجنسيات تحكم جماهير لا شعباً، وأمة لا دولة.

وقد حدث أن تحول الحلم الإمبراطورى إلى فشل واسع وعادت الثورات ببلدانها إلى حدودها وربما أقل، وبدءاً من الإمبراطورية الفرنسية، التى حاول «نابليون» تأسيسها عقب الثورة الفرنسية، إلى الإمبراطورية السوفيتية، التى حاول «لينين»، و«ستالين» تأسيسها عقب الثورة الشيوعية، إلى ثورات أخرى أقل حضوراً وتأثيراً، كان الفشل الإمبراطورى هو الناتج العام.

وقد فشلت الثورة المصرية فى تكوين أمة عربية واحدة إلى حد احتلال جزء من الأراضى المصرية من قِبَل دولة ناشئة عام 1967، كما فشلت الثورة الجزائرية فى طموحها الإمبراطورى نحو القارة الأفريقية على الرغم من سمعتها الكبرى هناك، وانتهت الثورة بعد عقود محدودة إلى أزمة داخل الدولة خلّفت أكثر من مائة ألف شهيد يضافون إلى مليون ونصف مليون آخرين، غير أن الشهداء الأوائل رحلوا على طريق الاستقلال، والشهداء الأواخر رحلوا على طريق الاستقرار.

وليس أكثر سخرية فى هذا الإطار من تجربة الإمبراطور «هيلاسلاسى» فى إثيوبيا؛ فقد قاد الثائر الإثيوبى الثورة ضد الملك «ليج ياسو» لأنه اعتنق الإسلام، وأجبره على النزول عن العرش لابنه «منليك»، وجعل نفسه وصياً عليه، وفى عام 1930 توَّج «هيلاسلاسى» نفسه إمبراطوراً على إثيوبيا.

ومضى الإمبراطور يقوِّى الإمبراطورية الأفريقية التى توهمها، ثم كان سقوطه فى السبعينات على يد الثائر اليسارى «منجستو هيلا ماريام»، الذى رأى أن يكمل الحلم بطريقته، إلى أن سقط هو الآخر فى نهاية الثمانينات على يد الثائر «ميلس زيناوى».

ومن «هيلاسلاسى» إلى «هيلا ماريام» إلى «زيناوى»، ثلاث تجارب ثورية بدأت بأحلام الإمبراطورية، وانتهت بانقسام إثيوبيا نفسها بعد استقلال إريتريا على يد ثائرين آخرين.

وإلى جوار إثيوبيا لا تقل تجربة الصومال إثارةً للاهتمام والسخرية معاً؛ فقد انتهى على خلاف ما بدأ حكم الثائر الماركسى «محمد سياد برى»، الذى بدأ حياته عضواً فى الحزب الشيوعى البريطانى فى أثناء دراسته فيها، وعاد بانقلاب عسكرى محاولاً تطبيق مبادئ الثورة الشيوعية على الصومال. ويقول «حسين مروّه»: «إنه مع قلة الكوادر لديه، فقد حاول أن ينفذ خطته للتنمية على الطريقة السوفيتية، وإنه كان يحاول أن يوفِّق بين الفكر الشيوعى والطابع الإسلامى للبلاد، وقد أقدم على الانضمام إلى جامعة الدول العربية بهدف الحصول على مساعدات منها، وقد مهَّد لذلك بتحويل الحروف السواحيلى إلى حروف عربية، ما كلفه كثيراً، وأحدث (برى) تحولات مهمة، لكنه انهزم بحكم الفقر والتخلف والجفاف». وقد انتهى الحكم الإمبراطورى عند «سياد برى»، الذى استهدف ضم أجزاء من إثيوبيا وكينيا وأوغندا فيما يسمى «الصومال الكبرى» إلى انقسام الصومال على نفسها مرات عدة يتقاتل فيها أربعون جيشا.

الجزء الثالث.. الأسبوع المقبل بمشيئة الله.

حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر.

المصدر

زر الذهاب إلى الأعلى