أحمد المسلماني | يكتب : مقدمة فى فلسفة الثورة (3)
هذا استطراد لسطور فى فلسفة الثورة أو النظرية العامة للثورات، وقد أسلفنا بعضاً من المفارقات وهنا تكملة..
(1)
المفارقة الرابعة: أن عدداً من الثورات قد اندلعت وهى تحمل الكثير من الغضب والقليل من الفكر؛ حيث لم يكن الثوريون يمتلكون ما هو أكثر من الطريقة المثلى للهدم.. ولأنه ليس من طبائع الثوار أن يقفوا عند الهدم تاركين لآخرين مهمة البناء، فإنهم قد انطلقوا فى وقت محدود يحاولون صياغة نظريات أو استيراد أفكار لتكون عوناً على البناء والتشييد. ومن نادر الأمور أن تجد ثورة بلا نظرية مهما حملت تلك النظرية من الخلط والتهافت، وإذا كان بعض الثورات يبدأ الرحلة على هدى من نظرية سابقة، فإن بعضها يبدأ العمل ثم يبحث لاحقاً عن الأفكار.
وقد كان الرئيس «جمال عبدالناصر» -زعيم ثورة يوليو 1952 فى مصر- أقل إلماماً بالجوانب النظرية والإطار الفكرى لثورته حين اندلعت ونجحت واستقرت، وقد تحصَّل لاحقاً على أفكار شتى من حزب البعث العربى ومن الأحزاب الشيوعية وبعض الأفكار العامة لدى عموم المصلحين ليصنع منها فلسفة الثورة.
وتذكر بعض الدراسات أن «عبدالناصر» لم يكن شغوفاً بالنظريات، وأنه كان يمل من التعقيدات النظرية لحزب البعث، وكان يعتبرها نوعاً من السفسطة ولغو الخطاب، وقد كان يميل فى تكوين إطاره الفكرى إلى آلية الاستماع والحوار.. لا سيَّما ما كان يسمعه من الكاتب الصحفى «محمد حسنين هيكل» ومن المنظرين السوريين، لا سيَّما «صلاح البيطار» و«أكرم الحورانى».
كما كان «عبدالكريم قاسم» -قائد ثورة يوليو 1958 فى العراق- يحمل فكراً عشوائياً داخل المجال العام لليسار، ما جعله يتفق ويصطدم مع الجميع فى آنٍ واحد.
ولم يتمتع الرئيس «أحمد بن بيللا» -رمز الثورة الجزائرية- بأية مزايا نظرية ذات طابع استثنائى فيما عدا المبادئ العامة للتحرر الوطنى.
وتشير بعض الدراسات إلى أن «فيدل كاسترو» لم يكن شيوعياً حين بدأت الثورة الكوبية؛ فقد كان مجرد ثورى حالم وابنٍ للطبقة البرجوازية التى لم تكن رغبتها الأولى الإطاحة بالطبقة الإقطاعية التى كانت تسيطر على مزارع السكر والموز وغيرها، وقد وصف الحزب الشيوعى الكوبى «فيدل كاسترو» وقتها بأنه «مغامر ينتمى إلى البرجوازية الصغيرة، أو فى أحسن الأحوال رومانتيكى عاشق للعمل السرى».
لم يكن «كاسترو» -الذى تخرج فى مدارس الجزويت لأبوين إسبانيين مهاجرين، وحصل على ليسانس الحقوق وعمل بالمحاماة- عضواً بالحزب الشيوعى الكوبى، كان هدفه إقامة مجتمع أكثر عدالة، ولم يكن بأى حال يفكر فى نظام ماركسى لينينى.
غير أن إغلاق أمريكا أبوابها قد دفع «كاسترو» للبحث عن موسكو؛ حيث نجح بدعمها فى إقامة مجتمع متقدم يتمتع بنظام صحى متميز وخالٍ من الأمية. وتحول نظام «كاسترو» من نظام ليبرالى كان يسعى للتفاهم مع واشنطن إلى نظام شيوعى استفاد من موسكو وبقى بعدها.
(2)
المفارقة الخامسة: تلك الصناعة الماكرة لأسطورة الرأى العام؛ حيث لا توجد ثورة استطاعت أن تفلت من واقعة اختطاف الرأى العام؛ فالحديث باسم الجماهير الغفيرة وتأسيس الخطاب السياسى بكامله تحت دعوى أنه مجرد إملاء من الرأى العام واستجابة لآراء وأفكار الشعب، هما أبرز ما يميز خطاب الثورات.
والواقع أن أسطورة الرأى العام هذه تحوى جانباً من الحقيقة؛ إذ تنشد الشعوب فى ثوراتها مستقبلاً أفضلَ للعامة من الناس، غير أنها تحوى كذلك ما تبذله الثورات فى تضليل الرأى العام تحت وطأة الفشل فى تحقيق الآمال.
وتبدأ سلسلة من الحروب الرمزية مع «أعداء الشعب» و«أعداء الثورة» و«فلول الرجعية والاستعمار»، ما يزيح الانتباه عن ضعف الثائرين وفشل السياسات الثورية ويدفعها باتجاه معارك هامشية لا نهاية لها. ولم تكن عبارة «بالروح بالدم» الشهيرة إلا عنواناً لذلك الاحتيال الثورى على الرأى العام.
ومن المدهش فى هذا الإطار أن جانباً كبيراً من الثوريين كان يتقن عملية اختطاف الجماهير إلى الحد الذى يجعله مصدقاً لما يجرى. وسرعان ما يستبين الأمر إذا اهتزت سلطة الثائرين وانطلق الرأى العام الكامن خلف الرأى العام الرسمى.
وينقل «محمد حسنين هيكل» عن أحد صناع القرار فى واشنطن قوله: تتحدثون عن عالم عربى فيه أكثر من عشرين دولة، ولكن هناك فى تقديرنا «4» أو «5» دول فاعلة فى المنطقة العربية وليس أكثر، وفى الدول الأربع أو الخمس هذه تنحصر دائرة صنع القرار فى «35» إلى «40» شخصاً فقط.. هذا هو عدد الناس الذين يؤثرون فعلاً.. أنت تتحدث عن رأى عام وجماهير حاشدة، ونحن لا نرى غير «35» شخصاً على أكثر تقدير فى أربع أو خمس دول يصنعون القرار ويوجهون الدفة ويقبلون ويرفضون!
(3)
المفارقة السادسة تتمثل فى ذلك الزهو الثورى الدائم بالفضيلة السياسية ومكارم الأخلاق؛ إذ لا تخلو ثورة من ادعاءات أصحابها بالنزاهة والشفافية ومكافحة الفساد والقضاء على المفسدين، ثم تجىء النتائج فى نظم ثورية كثيرة بعكس ذلك الادعاء.
فقد اتسم قطاع واسع من النظم الثورية بالفساد السياسى والاقتصادى، وتحولت الجمهوريات الثورية إلى ملكيات مستبدة شاع فيها نهب المال العام، وتكوين الطبقة السياسية من أهل الثقة والولاء، ولم يكن بإمكان أحد فى النظم الثورية أن يراجع أحداً فيما يفعل أو أن يسأله عن مصدر ثروته أو حدود ما يملك ويدير.
وقد امتد الفساد المالى والسياسى إلى فساد أخلاقى واسع، من تجاوزات أجهزة الاستخبارات ومؤسسات الأمن إلى تأليه الحاكم والذين معه وازدراء الطبقات الكادحة التى لم تعد إلا حشداً بشرياً فى المظاهرات والانتخابات. ووصل الملوك الثوريون إلى مدى لم يصل إليه الملوك الرجعيون فى تدمير الثروة الوطنية والوصول إلى سقف أسطورى من سفه الإنفاق، فيما ترتفع تماثيلهم وصورهم فى كل مكان.
وكان لـ«صدام حسين» 2350 تمثالاً وأكثر من مليون صورة تتوزع فى العراق، بعد أن نجح فى تحويل أغنى دولة عربية إلى واحدة من إقطاعيات العصور الوسطى!
الجزء الرابع.. الأسبوع المقبل بمشيئة الله..
حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر.
المصدر






