أحمد خالد توفيق | يكتب : مقال شديد الهيافه
مشكلاتنا كثيرة جدا وكلها خطرة وبالغة الجدية، فإذا تركنا مصر وجدنا حربا أهلية مستعرة في سوريا مع اختيار مصيري بين أن تترك الأسد يذبح شعبه، أو تسمح بأن يحتلّ الغرب سوريا لتنتهي عاصمة خلافة أخرى وتلحق ببغداد. في كل ركن مشكلة.. لهذا بدا من السخف أن أقطع هذا كله لأتكلّم عن برنامج تليفزيوني، وأنا بطبعي لست من هواة الكلام عن برامج رمضان؛ لأنني أرفض المنظومة كلها.
لسبب ما حشروا في أذهاننا منذ كنت أنا طفلا أن رمضان هو نفسه الفوازير، وبرامج المسابقات وبرامج الطبخ والكاميرا الخفية، وطبعا قعدات حظ الفنانين التي نرى فيها كيف يمزحون وكيف يتبادلون القفشات.. إلخ.
غير أنني مضطرّ للكلام حتى لا أموت كمدا، وإنني لأرجو أن يكون رصيدي لديك يسمح بهذا المقال شديد الهيافة وسط ما نحن فيه.
“رامز توت عنخ آمون”.. ما معنى هذا الذي يحدث وكيف يستمرّ؟
برامج الكاميرا الخفية التي تُقدَّم في مصر تفتقر عامة إلى لمسة السخرية البشرية الراقية التي نراها لدى الغرب.. في برنامج أمريكي أوقفوا سيارة وتحت عجلتها ورقة بمائة دولار، ثم راحوا يُصوّرون رد فعل الناس خلسة؛ فمنهم من يحاول أن يدفع السيارة برفق، ومن يحاول أن يرفعها دون أن يلاحظ أحد.. هناك من يبعد صديقه عمدا إلى أن يستطيع سرقة الورقة.. دعك من مقالب لا حصر لها مثل أن ينفصل “إكصدام” السيارة في يده وهو يحاول رفعها، كمية ضحك شديد الرقي بلا إهانات ولا ترويع، وتعلّمك الكثير عن نفسك والآخرين.
عندنا في مصر بدأ الأمر راقيا ومهذّبا في البداية، ثم رأينا دعابات فظة جدا تصل لدرجة أن تسيل الدماء.. في برنامج إبراهيم نصر حسبه سائق سيارة لصا يحاول سرقة سيارته وهشّم رأسه على الزجاج الأمامي.. هناك الفتاة الحسناء التي جعلت شابا شهما يتسلّق للطابق الثاني ويدخل البيت من الشرفة لأنها نسيت المفاتيح بالداخل، ثم يكتشف الشاب أن الفتاة اختفت وأنه متهم بالتسلل لبيت من شرفته! رأيت المشهد وأقسم إنه كان على وشك فقدان الوعي بين يدي مقدّم البرنامج، فلو كان قلبه ضعيفا لمات. هناك حلقة قاموا فيها بتخدير نجم كرة قدم شهير ثم نقلوه من حافلة سياحية كان فيها إلى حافلة أرياف وراقبوا رد فعله عندما يفيق.. السؤال هنا هو: هل من حق مخلوق أن يخدّر شخصا آخر من دون إرادته؟ أي طبيب تخدير يعرف المصائب التي قد تحدث مع تصرف غير مسئول كهذا.
مع الوقت صار مفهوم الكاميرا الخفية ليس انتزاع مفارقة طريفة تجعلك تبتسم، ولكن صار الغرض منها ترويع الضيف أو إيصاله إلى ذروة الشراسة والتوحّش وإخراج كل ما لديه من ألفاظ بذيئة.. (دي الفنانة فلانة طلعت قبيحة ولسانها طويل فعلا).. حتى توقّعت بشدة الفكرة التالية، عندما يمشي رجل في الشارع فيصفعون قفاه ويصوّرون رد فعله.
الآن مع السيد رامز جلال نخترق حاجز ما هو ممكن وما هو مسموح به؛ فبعد موضوع الأسد الذي يفاجأ به الضيف وهو يفتح باب المصعد (ولم أكن أرى في هذا خطرا؛ لأن الضيف يرى أن الأسد في قفص) ، وبعد عملية قطع طريق كاملة على حافلة في الصحراء، نسمع خلالها الصراخ الهستيري واستغاثات السياح.. وكان الاحتمال الأول أن هذا كله ملفّق، وأنا لا أميل له لأن كل شيء يبدو حقيقيا، لكن لو كان ملفّقا؛ فمعنى هذا أن السيد رامز جلال باع لنا تراما طوييييلا لا لزوم له.
الاحتمال الثاني أنه كان حقيقي.. هنا يختلف الأمر تماما.. انفجارات وهجوم بالسلاح الآلي وترويع آمنين وتدمير للسياحة، وكل هذا يتم في حقبة سيادة البلطجة وقطع الطريق؛ حيث كل هذا ممكن ومنطقي جدا ونقرأ عنه عشرات المرات في الصحف.. تخيّلي نفسك يا آنستي في حافلة في الصحراء ثم يتسلّق الحافلة ملثّمون مسلّحون وسط صراخ الناس ووسط الانفجارات.. يجرّونك من شعرك بعيدا وسط الرمال، وهم يشتمونك ويصرخون فيك بهستيريا، بينما ذهنك مفعم بمخاوف الاغتصاب والذبح لو كان حظك حسنا، وفجأة يتضح أن هذه دعابة لطيفة من الأخ رامز.. طبعا هناك فنانات فقدن الوعي، ولربما أصيبت إحداهن بنوبة قلبية أو صرعية.. كل هذا وارد.
————————–
ثم يضرب الأخ رامز بالمعقول واللامعقول عرض الحائط؛ فهذه المرة نراه في مقبرة فرعونية .. الخدعة بسيطة وواضحة، مقبرة تم اكتشافها حديثًا، ومطلوب من الضيف أن يكون واجهة دعائية أثناء الإعلان عن الاكتشاف .. ثم يجد نفسه عالقًا في النهاية في غرفة مظلمة تحت الرمال.
وأمام أعين المشاهد يجري السيد “رامز” بانتشاء مرضي، ليدفع بحية ضخمة من فرجة في الحائط، ويتولى طائر صغير باقي المهمة.
يا نهار أسود ! .. أهذا هو الظرف !!
ماذا تركنا للضيف إذًا ليموت رعبًا؟
أتحدى أن يضحك شخصٌ واحد من المشاهدين، إلا لو كان ساديًا بدوره، أو يتمتع بخلل نفسي ما، كما أتحدى ألا يرتجف من تصور نفسه للحظة في هذا الظلام.
وبعد أن يكون الضيف قد قارب على الموت، يطلق السيد رامز الذي يكمل اللعبة السمجة في زي مومياء عادت لها الحياة للتو عقيرته بالضحك في وجه الضيف، الذي لا يُصدق أنه نجا، وهو يلوح للكاميرا: “كنا بنهزر كنا بنهزر”.





