أعمدةمقالات

عمرو خفاجى | يكتب :استقالة لا تعرف الدولة

 

تأتى استقالة المستشار فؤاد جادالله من موقعه كمستشار قانونى للسيد رئيس الجمهورية، وهى تحمل عنوان انها استقالة مسببة، لتكشف المزيد من ضعف تماسك بنيان المؤسسات وأخلاقياتها ومعاييرها فى ظل نظام الرئيس مرسى، وبصراحة أنا غير معنى باستقالة الرجل، فهذا حق لأى شخص يعمل فى اى مكان، كما أننى غير معنى بما جاء فيها، لأن ذلك فى النهاية يعكس وجهة نظر الرجل وهذا ايضا حقه، لكنى معنى بالأكثر بطريقة الاستقالة والإعلان عن أنها استقالة مسببة، لأن الاستقالة المسببة فى عرف العمل المؤسسى فى مصر، تعنى ان المستقيل يشكو رؤساءه، بل ويطلب التحقيق فى الأسباب التى ذكرها ودفعته للاستقالة لأن هذا هو الهدف منها، بل أن قبولها ــ عادة ــ لا يأتى إلا بعد تفسير الاسباب واحيانا اتخاذ إجراءات بشأن ما ذكره صاحب الاستقالة المسببة.

أولا، سواء اتفقنا او اختلفنا، على شخص الحاكم، تبقى مكانة مؤسسة الرئاسة فى مصر مكانة خاصة، وهذا يضيف لهذه المؤسسة ولا ينتقص من قدرها ولا يعيبها ديمقراطيا، وبالمناسبة المؤسسات المشابهة فى معظم دول العالم تحصل على هذه المكانة وربما أكثر، بل لا أبالغ لو قلت إن ذلك من الامور الضرورية لتمكين المؤسسة من تغليف قرارتها بقدر كبير من الاهمية، وهى أهمية مطلوبة دائما، حينما تكون القرارات صادرة من أعلى جهات الدولة، بل ان ذلك ايضا من الامور المنطقية لأن هذه المؤسسة هى التى تمثل الدولة امام العالم الخارجى، وبالتالى فهيبتها تعكس هيبة الدولة ذاتها، لذلك جرت الأعراف على مجموعة من الاجراءات البيروقراطية يجب اتباعها فى مثل هذه المؤسسات ليس حفاظا على شكل الرئيس ومكانته، بل حفاظا على مكانة الدولة ذاتها، ومنذ سنوات قليلة تقدم متحدث رئاسى للرئيس الامريكى باستقالته من موقعه، وغادر البيت الابيض، ومازال الزملاء فى واشنطن يطاردونه حتى اليوم لمعرفة لماذا وكيف استقال وما هى الاسباب الحقيقية التى دفعته لذلك.

أما المفارقة العجيبة، فإن المعارضة التى كان من حقها ــ بكل أطيافها ــ ان تسعد بمضمون هذه الاستقالة لأنها ذكرت كل القضايا وساندت كل الملفات التى كانت المعارضة تصرخ اعتراضا عليها او تطالب بها (بما فيها قصة التشيع) فإنها تعاملت على العكس تماما (باستثناءات قليلة) فالبعض صمت، والبعض الآخر أعلن ان الاستقالة لا تعنيه، فى ذات الوقت الذى سربت فيه الرئاسة معلومات تكشف عن ان السبب الحقيقى للاستقالة ان السيد المستشار الذى استقال كان يرغب فى ان يكون وزيرا وان الرئيس رفض ذلك، حتى ولو صحت هذه المعلومات فأيضا ليس من اللائق ان تفعل مؤسسة الرئاسة ذلك، لأن هذا ينتقص من هيبتها وهيبة رجل عمل بداخلها لمدة تقترب من عشرة أشهر، ويفجر من الأزمات اكثر ما يحل، ولم يكن تفجير الازمات يوما من واجبات او مهام مثل هذه المؤسسات، التى حافظت البيروقراطية بأخلاقياتها التقليدية على هيبتها لسنوات طويلة، وتقريبا منذ ان عرفت مصر شكل ومعنى الدولة الحديثة.

كل يوم نتأكد أكثر ان من اهم الازمات التى تواجه مصر حاليا، هو العصف بالمؤسسات وانهاكها، واتمنى ان لا يكون (تخريبها)، وابعادها عن القيام بمهامها، إلى جانب احتقار فكرة البيروقراطية باعتبارها عيبا او انها من مساوئ النظام القديم، باختصار هناك من يعبث بالدولة المصرية ويشوهها لأسباب سياسية، هى تافهة فى نهاية الأمر مهما علا شأنها لاصحابها، وقصة استقالة المستشار القانونى للرئيس قصة مخجلة ومحزنة تؤكد لنا ذلك مجددا ومازال هناك من لا ينتبه لهذا الخطر.

المصدر

Eman Salem

كاتب صحفي ورئيس تحرير موقع الشرقية توداي
زر الذهاب إلى الأعلى