دكتور احمد عوض بيصار يكتب | ابتسامة الأمل الزائف

كان كهلا فى منتصف الأربعينيات من عمره … له أسرته البسيطة وبين أبنائه لا يحمل من هموم الدنيا ما نحمله وما يهلكنا … كان مدرسا للغة العربية يعمل فى احدى دول الخليج حيث قد يجد ما يؤمن به قوت أبنائه فى مصر…
فجاة لم يستطع الحركة … أقعده ألم شديد بعموده الفقرى وأثبتت الفحوصات أن احدى فقراته قد نمت بها خلايا سرطانية من ذلك النوع الخبيث فى نموه وفى علاجه وأعراضه فكان التأثير عليه شديدا حيث أفقده القدرة على السير
………………
انهم ينتهجون نظاما للعبودية هناك … يطلقون عليه اسم (الكفيل) … لا يهتمون بالناس طالما هم عبيد فى عيونهم !!!
أقعده المرض عن العمل … فلم تستطع شركات التأمين التابعة لذلك النظام القاسى تحمل ما كانت تعد به من علاج ورعاية طبية فهم يظنون أن بعض البشر عبيدا لا كرامة لهم إن كانوا على مرض !!! تبا لتلك العقول !!!
عاد إلى بلده مصر … عاد بغير عادته فى كل صيف … لم يحمل هذه المرة مزيدا من الهدايا ومن الأمل لأبنائه … عاد هذه المرة فى الشتاء القارص … يحمل المرض ومن قبله الهم !!
……………….
تلقيت فى هذا الصباح اتصالا من أحد الزملاء فى قسم الأورام يخبرنى فيه بضرورة استشارتى فى تلك الحالة حيث قد استعصى عليهم أن يبدأوا معها جرعة العلاج الكيماوى الثانية
أتيت ورأيت مريضا قعيدا لا يقوى على الحراك … بحثت فى أوردته كلها فلم أجد وريدا يصلح للعمل … أوردة ذراعيه ورجليه وحتى أوردة الرقبة … لم يكن هناك من أمل إلا تلك التقنية الحديثة بأن أزرع تحت جلده جهازا أصله بأوردة القلب ومنها يستطيع أن يعاود العلاج الكيماوى مرة أخرى …
وكانت تلك الاستشارة …. وذلك هو الحل الأوحد …
………………….
كان من الضرورى أن أقوم بشرح العملية للمريض .. ولكننى وجدته على ثقة شديدة بما سأقوم به … لم يكن يعرفنى ولم يكن يعلم شيئا عنها … كان فقط يريد الحياة …. وكان أيضا مستعدا للموت !!!
أنهيت ما قمت به على خير وبركة من الله … وأصبح المريض معافا … وأصبح العلاج متاحا … وأتممنا العلاج بفضل الله ….
…………….
كنت اعاود المرور عليه للاطمئنان على حالته بعد نجاح العملية …. كنت أرى نظرة من الأمل يرانى بها وكان يرى فى قلبى لمحة من افتقاد الأمل .. كنت اعلم مرضه وحقيقته … وكنت اعلم استحالة الشفاء من هذا المرض !! رغم ابتسامتى الزائفة …
………….
إننى أدرك تلك الحقيقة المرة…. إنه يشكو من مرض عضال ….. ليس شابا وليس شيخا ولكنه فى منتصف الأربعينيات من عمره … تكاد تسمع لرائحة الموت ضجيجا تراه جليا فى ظلمة الليل الحالك …. تكاد تفقدك الأمل !!!!! لكننى أقوى عندها …..ليحيا بنظرة من الأمل الزائف أكاد أنظر إليه بها …. فيقوى على الحياة ….. ويتأمل فى ابتلاء أصابه !!!! إنه يحيا بالإيمان
……………….
لقد كنت أرى دائما تلك الابتسامة الهادئة على وجهه البشوش … وكان يرى ابتسامتى الزائفة … كنت أريد أن أريه بعضا من الأمل الزائف فيقوى به على الحياة … ولكنه كان يعلم أن الحياة له هى سعادة يراها فى قلبه … لم يكن يريد ابتسامتى فقد كان يعلم أنها زائفة
تبا للأطباء انهم لا يعلمون شيئا عن مرضاهم فقط هم أرقام واحصائيات لا حياة بها !!!
لقد أكسبنى هذا المريض المبتسم رغبة فى الحياة … لقد تعلمت منه صبرا وجلدا ورغبة فى الأمل … لقد أعطانى درسا بأن لكل مريض مع مرضه قصة … لها مقدمات فيكون الانسان عدوا لما يجهل !!! هكذا هو المرض … لا نعرفه فيصبح عدونا فننساق إلى صراع تكون فيه الغلبة للمرض على المريض … ويكشر عن أنيابه شامتا بكل غرور !!!
فماذا لو عرفناه … وماذا لو تعاملنا معه كضيف ثقيل الظل … لا عدو ولا صديق !!!….
أنت استمع إلى ما أقول …. لقد ابتليت به !!! فكن له نعم المفاوض …
تعامل معه بدبلوماسية … وخبث !!! لا تأمن جانبه ولكن لا تعاديه ظاهرا … تعامل مع حياتك كأنك لست مريضا … هو يحاول منك أن تشغل نفسك هما وغيظا فلا تهتم به فتنشغل عن محاربته بغيظك … أما لو اطمأننت إلى قدر الله إليك … فسيأكل المرض نفسه بنفسه … لن يجد هدفه المنشود بأن كتمت غيظك منه … ستلتفت إليه خلاياك المناعية وستتعامل معه نيابة عنك .. بكل قسوة …
………………………
لقد عرفت معنى الحياة من تلك الابتسامة … لا لأنها كانت ابتسامة مريض قارب على الموت يريد ان يرى ملائكة الرحمة بعضا من صلاحه فقط … ولكن لأنها كانت ابتسامة مريض قارب أن ينتصر على مرضه بالايمان الحى فى قلبه … لم يكن يقوى على الحراك ولكنه كان يقوى على الحياة بكل حب … وأمل … وعطاء
أحمد عوض بيصار





