رأي

عبد الله اسماعيل | يكتب |”ثورة الجياع!”

 

ثورة الجياع508595

إن الطبقتين الأرستقراطية والمتوسطة في الشعب المصري مرتبطتان بشدة بالشريحة الأكبر والأفقر من شعب مصر بعدة طرق , منها الصِّلة والقرابة ومنها الجوار , كيف لا وهم جميعا يعيشون على أرض واحدة وتُظلهم سماء واحدة.
إنها الطبقة الكادحة أو الفقيرة أو المهمشة والتي تزيد عن 40% من نسبة التعداد السّكاني , وكلمة فقر هنا تعني بحسبة بسيطة أن الفرد فيهم لا يستطيع أن يكسب 2 دولار يومياً يستعين بها على شراء حاجته الغذائية.
ورغم هذا الإرتباط الناتج عن التعايش في وطن واحد , إلا أن هناك عُزلة حقيقية تعيش فيها الطبقة الفقيرة بعيداً عن مقومات الرفاهية والخدمات الكمالية التي لا يقدر على كُلفتها سوى المُقتدرين مادياً , على سبيل المثال لا الحصر : حرمان تلك الفئة الفقيرة من الشعب المصري من الذهاب إلى أماكن سياحية ومتنزهات ومطاعم تعتبر بالنسبة لهم من المحرمات , ووسائل مواصلات ملاكي فارهة تسير على نفس الأسفلت الذي يسيرون عليه بأقدامهم أو داخل وسائل نقل عام متهالكة ولا يملكون سوى التحسر على الحظ أو تذكّر المشئية الإلهية وحمد الله على ضعف الحال وقلة المال .
هذه الصور من الحرمان تذكرني بالأقفاص الزجاجية السميكة التي يحبسون ورائها الأُسود في حدائق عرض الحيوانات , يود الأسد المحبوس فيها كثيراً لو استطاع أن ينال من أحد الزوار الذين يتمتعون بمشاهدته ولا يرى فيهم إلا سداداً لحاجة جوعه الكاسر لولا وجود ذلك الزجاج الساتر.
وثورة يناير وإن كانت قد أسقطت أفراداً كانوا رموزاً في دولة الفساد ويمثّل اسم الفرد فيهم مؤسسة فساد لوحده , إلا أنها أخرجت علينا من خلف أسوار السجون ومن تحت الأرض ومن بيوت عانى قاطنوها الفقر المدقع ولا وجدوا حلالا يغنيهم ولا ملكوا حراماً يكفيهم فأخرجت علينا أفراداً نشئت وترعرعت على الإجرام وأكل وفعل وقول الحرام , أفراد تربّوا على يد أباء وأمهات فقراء أوعاطلين في البيوت أطلقوهم في الشوارع وسرّحوهم في المتاجر والورش والقهاوي ووسائل النقل وعلى الأرصفة ليجلبوا لهم المال ويعينوهم على أعباء الحياة التي تتلخص في أكل العيش , وأنهوا بذلك مستقبل أطفالهم التعليمي وحكموا عليهم بالجهل ورسّخوا في نفوسهم ثقافة الشوارع والإخلاق المنحطة , وإن كان دور كثير من الأُسَر قد انتهى مُبكّراً من تربية وتثقيف وتنئشة الطفل في القرى أو الأحياء أو الأسر الفقيرة , فإن الدولة أيضاً لا مكان فيها لضعيف ولا فقير , وأتذكر وكثيرون مثلي كلمات الرئيس المصري المخلوع التي عبّر وكرر فيها كثيراً عن انحيازه التام لمحدودي الدّخل ومنعدمي الدّخل فطبق بعض سياسات الدعم التي وصلت للقادر وفقدت الطريق إلى صاحبها الأساسي الذي يستحقها .
والآن وبعد أن أصبح لدينا هذا الكم الكبير من المعاناة التي يعيشها الفقراء في مصر , وبعد أن التمسنا لهم العذر في السرقة لأنهم في حاجة , وأقررنا بانعدام المُثل الإنسانية لدى أغلبهم لأنهم على غير ثقافة , وبانحطاط الأخلاق وانتشار الأمية في شبابهم وبناتهم لأنهم بدون عِلم وبدون تربية دينية , وتركنا الأمراض ترعى فيهم بل ربما المسبب الأول لهذه الأمراض هي الحكومات المتعاقبة والتي أهملت أبسط الحقوق المصريين في شربة ماء نظيفة وفي صرف صحي متاح فنشرت الأمراض الوبائية القاتلة بينهم … بعد كل ذلك أجد ممن يطلقون على أنفسهم الصفوة والمثقفين وتتكرر أسمائم وتعلو أصواتهم وتتشدق حناجرهم في وسائل الإعلام يتنبأون بثورة قادمة أطلقوا على اسمها “ثورة الجياع” !
هؤلاء الدجالون الجهولون لا بارك الله في مقاصدهم , بأي حدس يتنبأون ويتوقعون مثل هذه الأحداث ؟ إن كان المقياس لتنبؤهم وتوقّعهم هو ثورة يناير نفسها فأذكّرهم أن ثورة يناير لم يتنبّأ بها إنس ولا جآن من قبل , لأن هذه الأحداث كلها في علم الله سبحانه وحده أولاً ولأنها كانت بعيدة تماما عن الحسبان في ظل القمع والبطش الذي كانت تمارسه وزارة الداخلية بإمرة حبيب العادلي .
ومدى الخطورة في نشر توقعات سيئة كثورة عارمة يقوم بها الجياع , هو إعطاء مبرر مُسبق لأهل الإجرام كي يقوموا بجُرمهم تحت ذريعة الجوع أو الحاجة والفقر ! خصوصاً بعد أحداث الإنفلات الأمني وفتح أبواب السجون . تذكرون معي صورة الأسد المحبوس خلف لوح زجاجي سميك ؟ إن بحثنا عن عوامل مشتركة في تلك الصورة وبين المصطلح المتداول “ثورة الجياع” فسنجد أن الجوع مشترك بين كل من الأسد والفقير المعدم , وسنجد أن قوة الأسد وبطشه تقابلها شدة الإجرام , فإن أعطى المثقفون من أهل الصفوة الحجة والذريعة للفقراء كي يقوموا بثورتهم فكأنهم فتحوا الساتر الزجاجي بين الأسود وزوار حديقة الحيوان .

المصدر | الشرقيه توداي

Eman Salem

كاتب صحفي ورئيس تحرير موقع الشرقية توداي
زر الذهاب إلى الأعلى