عبد الله اسماعيل | يكتب : محصّلة الثورة
أحث نفسي دائما بأن أكون لوذعي الأسلوب متوقّد الذّهن خفيف الظل , فأحاول أن أخفف عن القارئ عبء الغريب من الكلمات و البعد عن الأفكار المنفّرة , و أركز على استحضار الفكرة المُجـمِّـعة , و أحرص على تحرّي الحق و الشهادة به , ولذلك أستشعر الحرج كثيرا حينما أقوم بمراسلة قسم التحرير في موقع الشرقية توداي بمقال جديد ثم يهاجم قليل أو كثير من القراء الموقع وليس المقال ! مع أنه يؤكد دوما في نشره لي أو لغيري أن المقال لا يعبر بالضرورة عن الموقع وإنما يعبر عن رأي صاحبه، و رغم ذلك فما يشجعني على البوح بمكنون رأيي هو حرية المنبر الإعلامي الذي تتصفحونه اﻵن ، وهو ما يغيب عن عدد من القراء السطحيين الذين يتهمون موقع الشرقية توداي بأنه موقع موالي للنظام الحاكم أو مؤيد للإخوان ، و الحقيقة التي أثق فيها أن الموقع يؤمن بحرية الرسالة وحرية الإعلام فقط .
وفي صدد الحديث عن الموالاة و الإنتماء فأنا ولا فخر ، مواطن مصري من الشباب الذين دعموا ثورة الخامس و العشرين من يناير و لي فيها مثل الملايين من المصريين ذكريات و صور و فيديوهات ومقالات موثّقة كلّها سجّلت تاريخا حديثا نزلنا فيه إلى الشوارع و الميادين حاملين أرواحنا على أكُفّنا آملين في تغيير حقيقي نحصل به على سقف نغطّي به آدميتنا من الحرية و العيش و العدالة الإجتماعية .
و بعد أن اتّجهت الثورة إلى طريق مسدود و رأى الشعب الذي نزل أغلبيته ليحتج على ضنك العيش و مخمصة الحريّة و إفلاس العدالة الإجتماعية في زمن مبارك , رأى أن كل طموحه في التغيير وصل إلى شفا جرف هارٍ في عهد مرسي اللهم إلا ما حقّقه الشعب بنفسه من الحرية و الوعي السياسي . فإن كانت الثورة قامت لعوز الشعب و حاجته لمطالب معينة فإن هذا العوز و هذه الفاقة زادت , فكان لا بد من مسار تصحيحي لثورة يناير وكانت الدعوة للتمرد على مرسي فاستجاب أكثرنا لدعوة النزول يوم الثلاثين و أضفنا إلى ألبوم صورنا و ذكرياتنا يوما مشهودا و ثورة ممتدة من يناير إلى يونيو فهي الامتداد و هي التصحيح و هي الثورة الواحدة على كل مغالب للحكم و كل من رأى أن حلم المصريين بجمهورية جديدة صعب المنال و التحقيق .
و الآن قف معي خارج دائرة الانتماء لأي معسكر لترى الوضع على حقيقته , فقد ثرنا في يناير على رئيس مخلوع و كررنا ثورتنا على رئيس معزول و نتربّص النزول في أي لحظة ضد الرئيس الحالي إن قرّرنا أن في رأينا ما يقتضي التعبير أو الحاجة الماسة للتغيير . ولأن الإعتراف بالفشل أول سبل تحقيق النجاح فقد فشلت الثورة الممتدة من 25 يناير 2011 إلى 30 يونيو 2013 , كيف حكمت عليها بالفشل و ما الحسبة التي أقمت عليها نتيجتي ؟
إنها نسبة النجاح التي يلمسها المواطن ومدى تحقيق الحد الأدنى منها , فكل رئيس يتولى مسؤولية البلاد له OPTION عدد من الخيارات التي تدفع الناس لإنتخابه , فمثلا مرسي كان من ضمن خيارين أحلاهما حامض , فقبلنا الحامض المر على أمل تغيير الواقع السيء الذي عايشناه من قبل , و كذلك على وعد منه أنه صاحب مشروع النهضة و حامل قوانين الشريعة , فاتّضح غير ذلك فكان لا بد من رحيله . ونقطة هامة أود أن أذكرها لحضراتكم كانت إن اعتبرتموها رأيا شخصيا سبباً في مناهضتي لمشروع الإخوان المسلمين بعد أن كنت أحد المصدّقين بأنهم يحملون في جعبتهم خيرا لمصر ؛ فإن شعارهم (الإسلام هو الحل) يحمل عمقا شموليا ثابتاً , و لأن الإسلام دين مجمّع لا فرق فيه بين أبيض و لا أسود و لا أعجمي و لا عربي إلا بالتقوى , فكيف يا جماعة الإخوان و أنتم تدّعون أن منهجكم الإسلام الذي يدمج و يستوعب , فكيف بالله أجيبوني نفّرتم الناس منكم و من الإلتفاف حولكم ؟ و حتى الأقربون لكم في منهج السياسة من السلفيين أعرضوا عنكم ؟ كيف وطموحكم عن طريق التنظيم الدولي تجميع الأقطار الإسلامية كلها وإعادة الخلافة , فكيف بالله خبّروني فشلتم في توحيد شعب واحد على صعيد واحد و تريدون أن تآلفوا بين قلوب و ألسنة شعوب متعددة ؟سبحان الله , أسئلة معلّقة أمام كل من يشكك أن الإخوان جماعة طموحها و هدفها سياسي بحت .
من بعد عزل مرسي كان السيسي هو الرجل القوي بل الأقوى في مصر , و كان انتماءه العسكري من ضمن الخيارات التي اعتادها المصريون في رؤسائهم على مدى سنين ما بعد يوليو 1952 على اعتقاد أن الأمن و الأمان لا يأتيان إلا بالحكم العسكري و القبضة الحديدية ! بل لا أبالغ إن قلت أنها نتيجة علمية ثابتة في عِلم الأنثروبولوجيا الخاصة بعلم الجماعات الإنسانية و سلوكها , فنظرا لأن شعب مصر مجتمع نهري فهو يحيط بالماء كمصدر للحياة و يحيط بالقوة كمصدر للأمان , فليس غريبا أن يعود الشعب للجيش متأسّفاً مترنماً بأشعار ربّما حاكاها الأجداد منذ زمن الفراعنة و تناقلتها الجينات الوراثية حتى أبدع في تأليفها و تلحينها الأحفاد و غنوها (تسلم الأيادي) .
و كلمة حق مهمة أقولها , لقد أدّى فشل الثورة إلى خلاصة علينا أن نقر بها وهي أن النتائج الكارثية للثورة أنهكت الشعب و جارت على مصالحه فلفظ الشعبُ الثورة لعدم تحقيق جدوى ملموسة منها , لأسباب يرجع أهمها إلى تفرّق الصف الثوري بكل فئاته التي شاركت فيه . فتمسّك بمبادئ الثورة كل من أُهدرَ دم عزيزٍ له و كل من أصيب أو بذل جهده و شارك بنـزول أو دعم من الشباب الحالم بدولة حرة ومصر جديدة يسعون لبنائها في ظل مناخ سياسي يوفر للجميع فرصة تقديم الأفضل للوطن و المواطنين في ظل الحرية و التنافسية , وقد أعلنوا تبرّأهم من هذه النتائج الخاسرة .
أخيرا بعيدا عن الكلام النظري الذي لا يستفيد من دروس التاريخ و لا يعير الإنتباه إلى الأسس العلمية و القواعد السليمة لتحقيق النجاح في أي مجال يصنعه الإنسان , فإن الثورة تجربة إنسانية تقوم بها الشعوب للخروج من دائرة ضيقة إلى دائرة أوسع وهي قابلة للنجاح و التوسع أو الفشل و الإنحصار , و أورد التاريخ العديد من النماذج الثورية مثل الثورة الفرنسية التي أسست للتعددية السياسية و كذلك الثورة الروسية البلشفية و غيرهما من الثورات , فلنقارنها بالثورة الشعبية المصرية التي حدثت في يناير11 و امتدت إلى يونيو13 , و لنرى الآن ما نحن مقدمون عليه و يفصلنا عن يناير15 أقل من شهرين , فإن رأينا أننا نقوم بإجراء نفس التجربة بنفس الأدوات مع انتظار نتائج مختلفة فنحن للأسف أغبياء , و حتى لا أكون سلبياً في الطرح , فسأقدّم نصحا لكل مصري يعز على نفسه أن يرى نتائج ثورته العظيمه تفشل و يحاول جاهدا إحياء أي بارقة أمل في أحلامه المستحقّة – ولو بعد حين – بتأسيس مصر جديدة رائدة لدول العالم شتّى . فانتظروني بإذن الله تعالى في المقال القادم .
مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن الشرقية توداي






