عماد الدين حسين | يكتب : الحق والباطل فى قانون الخدمة المدنية
لست خبيرا فى قانون الخدمة المدنية، ولا أعرف فى الدرجات والباب الأول رواتب، أو الأجر الأساسى والمتغير وضم العلاوات. لم أعمل طول حياتى فى أى عمل حكومى، لكن ما يحدث الآن بشأن الاعتراضات المتزايدة على قانون الخدمة المدنية الذى أصدرته وزارة التخطيط أخيرا يحتاج إلى معالجة مختلفة.
أعرف وزير التخطيط والمتابعة الدكتور أشرف العربى إلى حد ما، وأثق فى وطنيته ونزاهته وبحثه الدائم عن قانون عصرى حديث يعالج كل سلبيات قانون الخدمة المدنية، واستمعت مطولا إلى رؤيته قبل إصدار القانون بشهور طويلة عندما شرفنا بالزيارة فى «الشروق» وشرح لنا فلسفة القانون الذى صدر فى شهر مارس الماضى. للقانون مزايا متعددة منها أنه جعل بنود الراتب الإجمالى قليلة جدا، كما أنه يقضى على تشوهات وثغرات كثيرة فى القانون القديم.
القانون الذى ستصدر لائحته التنفيذية خلال أيام، لن يؤدى إلى خفض الرواتب، لكنه لن يجعل زيادة الحوافز عملية آلية كما كان يحدث من قبل، خصوصا لذوى الرواتب الكبيرة بهدف القضاء على الفوارق الضخمة فى رواتب الموظفين. وبالتالى فالمنطقى أن يكون أصحاب الرواتب الأعلى هم الأعلى صوتا. والملاحظ أن هذه النقطة استخدمتها الحكومة بمهارة يوم الاثنين الماضى لإحداث شرخ بين المعترضين على القانون، قياسا على تجارب مصرية ناجحة سابقة وهى أخبار الفقراء البسطاء وذوى الدخل المحدود بحجم رواتب الكبار، حتى لو كانوا يستحقونها.
أحد البنود التى يعترض عليها معارضو القانون أنه يزيد من سلطة الإدارة فى فصل الموظفين. الحكومة تنفى ذلك وتقول إن خطوات الفصل التعسفى صارت أصعب فى القانون الجديد مقارنة بالقانون رقم ٤٧.
فيما يتعلق بالحوافز، فهناك إصرار غريب من قبل بعض الموظفين فى الحصول عليها، رغم أن الشركة أو المصنع أو المنشأة تخسر خسائر متوالية، لأن الإنتاج قليل أو ردىء، قد يكون سبب ذلك سوء الإدارة الحكومية أو لأى سبب آخر، لكن من المهم ضرورة التأكيد على أنه من الخطر مكافأة أى عامل أو موظف فى حين أن شركته تخسر. مطلوب تغيير ثقافة العمل فى مصر، بحيث تتم مكافأة المجتهد والدءوب والرابح، ومعاقبة الكسول والفاشل والخاسر، شرط توافر مقومات النجاح، بحيث لا يتحمل العامل أو الموظف خطأ الإدارة أو الحكومة .
الأمر سهل إلى حد كبير فى القطاع الخاص، لأن معيار الربح هو الأساس، فى حين أن الأمور معقدة ومتداخلة فى القطاعين العام والحكومى، خصوصا فى ظل الإدارة المترهلة وعدم التدريب والتأهيل والأسعار الاقتصادية المدعمة.
نتمنى وجود قانون خدمة مدنية متطور وعصرى وكفء والأهم عادل. وفى المقابل ينبغى وجود نظرة سياسية لدى الحكومة بحيث تختار التوقيت السليم وتقنع غالبية الموظفين بأن القانون فى صالحهم أو على الأقل جيد.
هل ناقشت الحكومة جيدا طوائف المجتمع المختلفة خصوصا الفئات التى يخاطبها القانون؟!.
تقول الحكومة إنها أجرت نقاشا مجتمعيا حول القانون، لكن الواقع يقول إن ذلك ليس دقيقا. دليل ذلك أن أحد وزراء الحكومة قال يوم الاثنين الماضى، خلال المؤتمر الصحفى، إن بعض المعترضين لم يقرأوا القانون جيدا أو يفهموه.
إذا كان ذلك صحيحا، فالمشكلة تكون عند الحكومة وليس عند المعترضين. وبالتالى على الحكومة ــ خصوصا وزارتى التخطيط والمالية ــ أن تتحدث أكثر إلى الموظفين، وتشرح لهم كل التفاصيل، وما هى المزايا التى سوف تعود عليهم من تطبيق هذا القانون؟!.
عندما يحتشد الآلاف فى الشوارع ويهتفون «ارحل» لوزير أو مسئول، فأسوأ دفاع هو اتهام المتظاهرين بأنهم جميعا إخوان، قد يكون من بينهم إخوان، لكن المؤكد أن هناك مواطنين كثيرين يحتجون على القانون، هم ليسوا إخوانا بالمرة، بل مجرد موظفين يخشون من المستقبل على أنفسهم وعلى أسرهم. المطلوب من الحكومة أن تمارس السياسة بصورة أكثر وأفضل.
المصدر






