عماد الدين حسين | يكتب : الشباب الذين لا نعرفهم
قبل أسابيع قابلت خبيرا أمنيا سابقا قال لى إنه ذهب صدفة إلى إحدى حفلات الغناء والموسيقى فى ساقية الصاوى بالزمالك، ليأخذ أحد أقاربه الصغار. الرجل فوجئ بأنه لا يعرف شيئا عن المغنين، وربما يكون هذا طبيعيا فهو غير ملم بكل شىء، لكن المفاجأة أنه وجد شبابا مختلفين تماما، ووقتها شعر بحكم حسه الأمنى أن هناك مشكلة عويصة ستواجه البلد إذا لم يتم الجلوس مع هؤلاء الشباب والاستماع إليهم وتفهم تفكيرهم.
عندما سمعت هذا الكلام شعرت ببعض الراحة لان الضابط السابق لم يفكر بالطريقة السائدة ويتهم كل الشباب بأنهم تدربوا فى صربيا وقبضوا من أمريكا واتصلوا بإسرائيل.
سألت الرجل عن وصفه للشباب، فقال انهم مختلفون فى كل شىء من أول مفرداتهم وتعبيراتهم ونهاية بنظرتهم للمجتمع. غالبيتهم ليسوا مع الحكومة أو الإخوان، هم فى عالم آخر، مهمومون أكثر بالتكنولوجيا الحديثة وما يحدث فى العالم أكثر من اهتمامهم بما يحدث فى مصر أحيانا. الخبير الأمنى لم يكن يؤيد أو يدين هؤلاء الشباب، بل فقط يحاول توصيفهم.
أشد ما كان يقلقه أن الحكومة وغالبية أجهزتها لا تضع مثل هؤلاء الشباب فى حساباتها، وربما لا تعرف انهم موجودون من الأساس.
وقبل أيام كنت أجلس مع زميل صحفى فكرر نفس الكلام لكن بطريقة مختلفة.
الزميل تحدث عن شباب الجامعات العادى جدا، الذى شارك معظمه فى ثورة 25 يناير، ثم فى ثورة 30 يونيو لكن جزءا كبيرا منه إما انه يشعر بالغربة أو انسحب مهموما من كامل المشهد أو انخرط فى جماعات العنف، أو أدمن الحياة الافتراضية.
الزميل يقول إن ابن أحد الوزراء سخر من والده حينما رآه يقرأ صحيفة قومية قائلا له: «لسه فيه حد بيقرأ صحف الحكومة وكمان ورقية؟!».
ما لا يدركه كثيرون ان غالبية الشباب الجامعى لم يعودوا يفكرون مثلما نفكر نحن كبار السن والأخطر انهم لا يتأثرون بوسائل الإعلام الحكومية أو الخاصة، لانهم ببساطة لا يتعاملون معها. هؤلاء لديهم عالم خاص بهم، مواقع إلكترونية لا نعرف عنها شيئا، نجوم وممثلون عالميون وربما بعضهم مغمور أو لا نعرفه، لديهم ألعابهم الخاصة، ولغتهم الخاصة.
أكثر ما يخشاه الخبير الأمنى أن تكرر الحكومة نفس الخطأ القاتل الذى وقعت فيه حكومة أحمد نظيف حينما لم تكن تعرف شيئا عن شباب 25 يناير. فى هذا اليوم استيقظت الحكومة على عالم كامل من الشباب الذى خرج من خلف شاشات الفيس بوك ليملأ الميادين ويسقط مبارك فى 18 يوما.
كنا نظن انهم يعيشون فى عالم افتراضى، ثم تبين أنهم يعيشون فى العالم الحقيقى، ونظام مبارك هو من يعيش فى العالم الافتراضى.
تعثرت ثورة 25 يناير حينما تعامل معها الإخوان باعتبارها غنيمة ثم وقعوا فى نفس الخطأ حينما تجاهلوا ليس فقط الشباب، بل كل المجتمع وكان ما كان.
جزء من الشباب لم يخرج للتصويت فى الدستور المعدل أو انتخابات الرئاسة لأسباب متعددة.
السؤال الآن الذى قد يكون مكررا هو: إذا كان الرئيس السيسى قد بدأ مشروعا طموحا لاعادة بناء البلاد، فهل يمكن انجاز هذا المشروع من دون مشاركة الشباب أو الجزء الأكبر منهم؟.
لا يصح أن نلوم الشباب، هم الأمل فى المستقبل.
على الحكومة وغيرها بذل كل الجهود لاستقطابهم. وقبل ان تفعل ذلك عليها ان تبحث عنهم فى كل مكان وتستمتع إليهم وتناقشهم وتجادلهم ثم تجعلهم يشاركون فى حكم بلادهم، وإلا ستكون هناك مشكلة حتى لو طال كمونها.
المصدر





