عماد الدين حسين | يكتب : دواعش الداخل
قبل أيام كنت أتحدث مع مسئول مصرى مهم عن الأخطار القادمة من الحدود الليبية. الرجل قال إن القوات المسلحة مستعدة تماما لكل شىء وإنه إذا فكر شخص من داعش أو غيرها فى اقتحام الحدود فسيكون ذلك آخر يوم فى حياته.
جيد أن يسمع المرء هذا الكلام، لكن ماذا نفعل إذا كان الدواعش موجودين بيننا، أى أنهم لا يحتاجون لعبور الحدود؟!.
الطبيعى أن تنجح القوات المسلحة أو الشرطة فى القضاء على أى عدو منظم، لكن التعامل مع الأعداء المقيمين بيننا يحتاج جهدًا ضخمـًا يتجاوز قدرات هذين الجهازين فقط.
لو أن العدو فى سيناء ظاهر ومنظم لأمكن القضاء عليه فى «أسبوع أمريكانى» كما قال لى أحد المسئولين أى فى خمسة أيام، لكن مشكلته أنه يضرب ويهرب، ثم يتخفى ويتحصن وسط الأهالى فتصبح مهمة أجهزة الأمن صعبة جدًا.
تستطيع الطائرات أن تقضى على أى متسلل يعبر الحدود خصوصا إذا كان قادمـًا من الغرب، لكنها ماذا ستفعل إذا فكر هذا العدو من العبور إلى سيناء عبر الأنفاق، وحتى إذا نجحت السلطة فى ردم كل الأنفاق التى تدخل منها الأسلحة والمخدرات وأحيانا الإرهابيين فماذا ستفعل مع الإرهاب الذى صار يعيش وسطنا.
أخطر إرهاب يواجه مصر الآن ليس ذلك القادم من سيناء أو من الحدود الليبية، بل هو ذلك القابع بيننا ونحن لا نراه.
نسمع كل يوم عن تدمير أبراج ومحولات كهربائية تتسبب فى خسارة بالملايين وقطع التيار عن مناطق كثيرة من الجمهورية على أمل أن يؤدى ذلك إلى ثورة المواطنين على حكومتهم.
من الذى يقوم بقطع أرجل خطوط الضغط العالى أو يدمر محطات الكهرباء؟!.
أغلب الظن أنه ليس قادما من ليبيا أو غزة أو أفغانستان والمحتمل أنه مواطن مصرى يعيش بيننا. هو مواطن عادى ربما يمتلك حقلا تمر فيه خطوط الكهرباء، وكل ما هو مطلوب منه أن يذهب إلى حقله فجرا، أو حتى ظهرا إذا كان يزرع الذرة أو أى نبات مرتفع وبعدها يضع مجموعة من أسطوانات الغاز أو الديناميت ويفجرها، فيغرق المنطقة فى الظلام ويكلف خزينة الحكومة ملايين الجنيهات الإضافية.
كيف يمكن ضبط هذا الإرهابى ومعاقبته عقابا رادعا يجعله عبرة لغيره؟!.
المطلوب أن تراجع الشرطة طريقة عملها فى الفترة الماضية وتبدأ فى التركيز على الحصول على معلومات حقيقية عن الإرهابيين الجدد،فأغلب الظن أنهم من دون سوابق، وبالتالى فإن فرص كشفهم بسرعة تبدو صعبة.
أتمنى من أجهزة الأمن ألا تبالغ فى تقديراتها لقوتها، نحن نتمنى أن تكون قوية جدا لحماية الحدود والاستقرار، لكن أعتقد أن المبالغة فى تعظيم الذات ستكون كارثية عند أول سقطة. الجهاز القوى لا يحتاج لدعاية تقول إنه قوى لأن الواقع يتحدث عن نفسه.
تحتاج أجهزة الأمن إلى أفضل العقول الذكية لتتمكن من ضبط الجناة قبل ارتكابهم جرائمهم. تحتاج هذه الأجهزة إلى جهد وعرق وبحث وتخطيط والعمل على أساس المعلومات الصحية والطازجة حتى يمكن لأهل الحكم اتخاذ قرارات وسياسات صحيحة.
من السهل مواجهة الغزو الخارجى لكن الأصعب هو أن نتمكن من رصد العدو الداخلى ومعرفة كيف يعمل ويخطط ويدبر ويشوش ويتجسس، وكيف يتصل وينسق مع الخارج . أهمية هذه المعلومات الصحيحة أن تقدم لنا الأدلة الكاملة والمقنعة عن علاقة إرهابيى الخارج بالداخل.
الأمن الذكى هو الذى يحبط الجريمة ويجهضها، وليس الذى ينتظر خراب مالطا، وبعدها تبدأ فرقة الموشحات فى العزف وإدانة الإرهاب.
المصدر






