عماد الدين حسين | يكتب : عدلى فخرى
فى ٢٣ يوليو ١٩٤٠، ولد الفنان عدلى فخرى بقرية الغريزات مركز المراغة فى سوهاج. وفى ٢٨ نوفمبر ١٩٩٩، رحل عن عالمنا. ومساء السبت تذكره أصدقاؤه واحتفلوا بذكرى وفاته فى الحزب الاشتراكى المصرى .
كثيرون من الجيل الحالى لا يعرفون عدلى فخرى، وربما حتى من الذين عاصروه، لأنه كان يقدم فنا مختلفا يؤمن بأن الفن لابد أن يكون مكرسا للقضية الوطنية، ولانتشال الفقراء من مستنقع البؤس.
كنت محظوظا فى سنواتى الأولى بالقاهرة أن أستمع أحيانا لغناء عدلى فخرى فى حزب التجمع ــ حينما كان الحزب الرئيسى للمعارضة وقتها ــ ومازالت صورته منطبعة فى ذهنى وهو يلتفح بالكوفية الفلسطينية محتضنا عوده الشهير.
قد لا يعرف كثيرون أن فخرى الذى تخرج فى كلية العلوم لحن أغنية «آدى مصر» لعمرو دياب فى بداية مشواره، ثم قدم بصوته أغنيات مسرحية «فى حب مصر» و«باحلم يا مصر» لنعمان عاشور وعبدالغفار عودة عام ١٩٧٥، عن قصة حياة رفاعة الطهطاوى، لكن وزير الثقافة وقتها يوسف السباعى أوقف عرضها لاعتقاده أن بها إسقاطات سياسية على حكم أنور السادات، وهى نفس المسرحية التى تم إعادة افتتاح المسرح القومى بها، بنفس الأشعار لكن بألحان مختلفة وغناء على الحجار.
عارض عدلى فخرى، السادات، ثم ترك مصر إلى اليمن عام ١٩٧٧، ومنها إلى لبنان، حيث التحق بالمقاومة الفلسطينية، واستمر هناك طوال فترة الاجتياح الإسرائيلى للبنان، وغنى للفدائيين، ثم عاد إلى مصر عام ١٩٨٢ مكسورا بعد إخراج المقاومة من بيروت إلى تونس بقيادة ياسر عرفات. ولم يكن مفاجئا أن يأتى وفد من فلسطين ليشارك فى الاحتفال تكريما.
شارك فخرى بعد عودته فى مسرحية «منين أجيب ناس» لنجيب سرور، ومسرحية «فلوس فلوس»، ثم «جارنيكا وولاد الإيه، ومجلس العنطزة»، والأخيرة كانت عام ١٩٩٢ حيث أصيب بذبحة قلبية تكررت كثيرا فى السنوات التالية.
عندما مات فخرى بنزيف حاد فى المخ عام ١٩٩٩، كان فى جيبه ٢٠٠ جنيه، كان نموذجا لقلة من الفنانين التى افتقرت بسبب الفن. ويقول شقيقه مدحت إنه كان يبكى عندما ينظر إلى رجل عاجز أو طفل صغير مشرد فى أيام البرد الشديد.
فى الاحتفال قال الشاعر شوقى حجاب :«لم نعرف أن عدلى فخرى مسيحى إلا فى آخر الأيام». بالطبع كان حجاب يمزح، لكنه أراد التدليل بصدق على أنه كلما اهتم الناس بالقضايا الأساسية للمجتمع خصوصا الفقر والجهل والتخلف والتبعية فإنهم لن ينشغلوا بدين أو عرق أو لون أو طائفة الشخص، وهو المرض الذى أصاب المنطقة العربية لاحقا وندفع ثمنه الآن بفداحة.
سمير عبدالباقى ــ الذى كتب له معظم أغانيه ــ قال إن فخرى تعرض لنكران شديد ليس فقط من بعض الأجهزة ولكن من بعض أصدقائه، مضيفا «لو كان هناك إنصاف يمكن إعادة الروح لعشرات الأغنيات التى غناها للأطفال موجودة فى التليفزيون ولها قيمة كبيرة، ويعتقد عبدالباقى أن «السياسة هى التى أفقدتنا عدلى». أحمد بهاء الدين شعبان رئيس الحزب الاشتراكى قال إننا عندما نحتفل بذكرى فخرى فإننا نحتفل بالفن المحترم الذى ينحاز للإنسان وللذوق وللوطن.
فى هذا الاحتفال حضر الكثير من أصدقائه مثل سيد حجاب وسمير عبدالرازق ومحمد سمير حسن ورمزى العدل وصبرى عبدالمنعم وعهدى صادق وكريمة الحفناوى وحياة الشيمى وزين العابدين فؤاد.
خلال الأمسية استمع الحضور إلى مقاطع من أغنياته خصوصا «شراع السفينة» التى يقول فيها «باحب صوت الكنايس.. واعشق هديل الآذان.. يا قلبى كون ألف فارس.. تحرس عشوش اليمام.. واصحى يا بلدى اصحى واتذكرى واوعى تنسى.. جرحك يا مصر وجرحى.. سينا شراع السفينة». واستمع الحضور أيضا للقصيدة الشهيرة التى كتبها سمير عبدالباقى، عن الشاعر الشيلى الكبير بابلو نيرودا الذى يعتقد أن المخابرات الأمريكية قتلته خلال تلقيه العلاج بعد الانقلاب الشهير على سلفادور الليندى، ويقول فى مطلعها: «الدم فى طبق الرئيس الأمريكانى.. الدم فوق صدر الوزير المعجبانى.. الدم فى المزيكا وفى نوت الأغانى». ثم يختم بقوله:«فى عز ليل القهر تخضر الأمانى.. ورصاص بنادق الشعوب يكتب تاريخ الشغالين».
المصدر





