تسم المشهد الحالى بالازدحام الشديد بأصوات المطالبين بعناوين واضحة للمستقبل، وهو ما يعكس أن الشعب فى احتياج الكثير والكثير من الطلبات والخدمات والأمور الضرورية، أو الإجبارية وفقا للمفاهيم العالمية، مثل الطعام والمأوى والتنقل، والعمل والعيش بكرامة وأمان، وفى المقابل فإن ازدياد أو ازدحام قوائم الطلبات والخدمات، يعنى أيضا أن الوضع بالغ السوء، وأن هناك معاناة حقيقية تطول الغالبية من أبناء هذا الشعب، انتظروا بعضها يتحقق بعد رحيل مبارك، فاكتشفوا أنهم فى حاجة للمزيد، بعدما عجز من أدار البلاد فى المرحلة الانتقالية الأولى (المجلس الأعلى للقوات المسلحة) ومن أدارها وفق شرعية قانونية (جماعة الإخوان) ومن يديرها مؤقتا (حكومة حازم الببلاوى) لم ينجحوا فى تقديم المطلوب، وإن كان البعض يعتقد أن حكومة الببلاوى فعلت ما تقدر عليه باعتبارها أقرب لحكومة إنقاذ، وكل ذلك فى نهاية الأمر، أيا كانت الصياغات أو التفسيرات والتبريرات، يؤدى لكبر حجم التحدى أمام الرئيس القادم.
وإذا نظرنا فى جل الطلبات والمطالبات، فإنها تتجه فى منتوجها الأخير إلى مراوحة واحدة بين الفقر وحقوق الإنسان، الفقر بمعناه الواسع والذى تزداد مساحة رقعته بانتظام، جغرافيا وطبقيا وفئويا، فلم تصبح أى منطقة أو فئة أو طبقة غير مهددة بالإصابة بالفقر، فعلى سبيل المثال كان الفقر شحيحا فى منطقة سياحية مثل الأقصر، وها هو صار بطلا مسيطرا فى السنوات الثلاث الماضية مع توقف الأنشطة والخدمات السياحية فى المدينة، وفى مناطق جغرافية أخرى كانت تعتقد أنها آمنة من زحف الفقر عليها، لذا تبدو مكافحة الفقر عنوانا أصيلا للمرحلة المقبلة، ولا يمكننا المزيد من الانتظار لمكافحته، لأن ازدياد نسبه يعطل دوران أى عجلة اقتصادية للتقدم أيا كانت كفاءتها وقدرتها، وأعتقد أن هذا ما تفهمه الدولة جيدا، لكنها لا تفهم كيف تتعامل معه التعامل الحاسم الإنسانى العادل، على اعتبار أن كل دول العالم مليئة بالفقراء حتى الدول المتقدمة.
أما حقوق الإنسان، فأعتقد أنه العنوان الأكثر حسما لمستقبل مضمون لهذا البلد، وهنا نشير إلى حقوق الإنسان بالمعنى الواسع لهذه الحقوق، والتى فى مقدمتها الحق فى الحياة والمحافظة على الأرواح، مرورا بالحق فى السكن والحق فى العلاج، والحق فى التعليم إلى آخر ذلك من حقوق، حتى نصل إلى حقوق التعبير والاعتقاد والحريات بشكل عام، وفى تصورى أنه لا تعارض مطلقا ما بين العنوانين، بين الفقر وحقوق الإنسان، فكلاهما يهدف للكرامة الإنسانية ومنح كل مواطن العيش بشكل آمن وغير مهين، وفى تصورى أن أى إطار سياسى، أو مشروع فكرى يستهدف المستقبل، يخلو من هذين العنوانين، يعنى أنه لا يوجد مستقبل أمامنا، وأن أى حكومة ستتجاهل حقوق الإنسان أو تتخاذل فى مكافحة حقيقية وجادة للفقر، فإنها تكون تعبث بمستقبلنا عامدة متعمدة، علما بأن محاربة الإرهاب ومواجهة مخاطره، لا تعنى مطلقا إهمال حقوق الإنسان، بل على العكس تماما: إن من أساسيات حقوق الإنسان ومن أهم أهداف هذه الحقوق محاربة الإرهاب للحفاظ على أرواح الجميع، وبالمناسبة فإن رئيس وزراء بريطانيا لم يقل أبدا (إذا تعرضت بريطانيا للخطر فلتذهب حقوق الإنسان للجحيم)، الاسطورة التى يرددها كثيرون هذه الأيام.. لأن الرجل يعرف جيدا أن واجباته فى الحفاظ على حقوق الإنسان وحماية البلاد من الأخطار.. هى محاربة الإرهاب والقضاء عليه، وليس القضاء على حقوق الإنسان.
المصدر






