أعمدة

عمر طاهر | يكتب : عمر طاهر يحاور نبيل الحلفاوى

عمر طاهر

الحلفاوى: الفنان الحقيقى هو من تحتاج السلطة أن «تتصوّر معاه»

يمكن استخدام التزوير لصناعة حاكم.. لكنه لا يصلح لصناعة فنان

ليس ضروريًّا أن يعبر العمل عن أفكارى لكن على الأقل لا يتناقض معها

كنت أخاف على أسامة أنور عكاشة من استغراقه فى السياسة والكتابة للصحف

قلت لعبد الرحيم كمال مؤلف «دهشة» إنه سيعوضنا عن الكبار

ثمة وجه شبه بين هذا الحوار وآخر حوار صحفى أجريته منذ عدة سنوات مع د.عبد القدير خان العالم الباكستانى الملقب بـ(أبو القنبلة النووية) فى مكتبه السرى فى إسلام آباد، فرصة قبول أىٍّ منهما بالحوار أقل قليلا من (مستحيل)، وعلى الرغم من ذلك شاءت ظروف، لا مجال لذكرها، أن أحصل على حوار من كليهما من أول طلب، هناك عدة فروق بين الحوارين أهمها من وجهة نظرى أننى حاورت خان فى أمور أنا غير مهتم بها على المستوى الشخصى، سألته عما يدور فى ذهن العالم ولا يعنى لى شيئا، كانت جلسة ناجحة مهنية وباردة كما يليق بانفراد نووى. أما خلال حوارى مع الحلفاوى فى بيته فلم أفوت فرصة لاستكشاف رجل أحبه فى كل شىء من السياسة إلى كرة القدم مرورًا بالفن طبعًا.

(1) لم يكن مقررًا أن يبدأ حوارنا من المشهد الشهير الذى يحاول فيه توسيع أنبوبة المتفجرات وعما ترتب عليه من كوميديا، لكن خطر فى بالى أن أحدًا فينا لم يسأله إن كان يتقبل هذه السخرية عن قناعة أم أنه لا يمتلك اختيارًا آخر.. «عند ظهور الإفيه ضحكت وأبديت إعجابى به، ثم أصبح بالتكرار (إفيهًا سخيفًا)، ثم حدث بالوقت أن شعرت بـ(الاستياء)، وأصبحت المسألة من وجهة نظرى عملية تسخيف لمشهد عالٍ دراميا بخلاف كونه مشهدًا حقيقيا وصادقا حدث بالفعل، لكن اعتبرت الواقعة لا تنفصل عن سمات المرحلة القائمة على الاستهانة بأى قيمة والسخرية منها.

لكن هذا هو الثمن الذى يدفعه الواحد مقابل الحصول على مزايا السوشيال ميديا، مقابل أفكار لامعة وأشخاص رائعين، عليك تقبل أشخاص بمستويات ذهنية ونفسية أخرى.

سألته: لماذا لا يقول إنها عيوب الديمقراطية ؟.. «الديمقراطية أفضل حل ولا بد أن نتحمل عيوبها، التى يمكن اختصارها فى ثلاث نقاط: الأولى.. فكرة أن الأغلبية ممكن تختار غلط، والثانية قدرة البعض على الخلط بين الديمقراطية والفوضى، والثالثة.. هناك نوعية من القرارات أهميتها تكمن فى سرعة اتخاذها فى توقيت معين وقد يضطرنا اللجوء إلى مسار الإجراءات الديمقراطية واحترامها إلى تأخر اتخاذ هذه القرارات بما يفقدها أهميتها.

لكن وجب القول إن الديمقراطية أفضل كثيرًا من اختيار (المستبد العادل)، مهما كان عدله أو عبقريته أو وطنيته فى النهاية هو فرد، لم يمر بنا من هو بقيمة ناصر، لكن ثغرة الديمقراطية فى تجربته كان ثمنها غاليا».

(2) قلت له يبدو أن السمات التى تحدثت عنها هى أعراض ما بعد الثورة، لكنك فى كل الأحوال تبدو متحمسا لفكرة الثورة طول الوقت، حتى فى ثورة يوليو عندما أمَّم ناصر مصنعًا تمتلكه عائلتك للأدوية وتحول أقاربك من ملاك إلى موظفين فيه، ظللت تعلق صورة ناصر فى غرفتك تتحدى بها الجميع، حتى بعد ثورة يناير وما ترتب عليها كما رأيت من تعرضك لسخافة جريئة بخلاف لتأثيرها المعروف على مهنتك… قال: «سأخبرك بما لم أقله من قبل، نتيجة التدهور المستمر فى البلد والحياة العامة قبل ثورة يناير بثلاث سنوات، نتيجة يقينى أننا كنا نسير من سيئ إلى أسوأ، غارقين فى فقدان الأمل والتوهان العام والفشل حتى فى الثبات عند هذه النقطة من السوء وتفادى الانهيار والتدهور والانحدار، نتيجة لكل هذا أُصبت باكتئاب حاد.

كتب لى شقيقى وهو طبيب نفسى روشتة مثقلة بالأدوية، لأن الموضوع كان صعبًا بالفعل، لم أكن أقابل أحدًا، لا أخرج، ليست لدى أى رغبة للعمل، إلا أننى رفضت مسألة تناول الأدوية، وبالصدفة كنت أقرأ كتابا للدكتور جلال أمين، به فصل عن تجربته عن الاكتئاب، اتصلت به وناقشته فى المسألة لأعرف منه وصفة العلاج بدون أدوية.

لم أخرج من الاكتئاب إلا بقيام ثورة يناير، أخذت نفسًا عميقا للمرة الأولى منذ سنوات، الحراك فتح مسام الروح وحرك الهواء فى صدرى، أيامها بالمناسبة كنت مقتنعا بالعرض الذى قدمه مبارك بتسليم السلطة بعد ستة أشهر وكنت أراه أنسب العروض المتاحة كونها تحوى قدرًا من وضوح الرؤية، لكن عندما أصبح الناس فى الشوارع بالملايين وسألنى أولادى ما رأيك؟ قلت (لما الملايين يخرجوا يقولوا إمشى.. يبقى تمشى.. مهما كنت إنت مين).

(3) طلبت منه أن يسمح لى باستعارة جملته «الإفراط فى حسن الظن يؤدى إلى خيبة الأمل» وأن تكون سؤالا عن الطريقة التى يرى بها إفراط المصريين فى حسن الظن بالقيادة الجديدة.. قال «أولا هذا إرث فرعونى قديم، لكن الأمور سترجع إلى حجمها الطبيعى، لأن المصريين سيدركون بالوقت أن (الحكاية مش زى ما هم متخيلين)، خصوصا أن الوضع يزداد صعوبة، وسيتم تهذيب هذه الثقة المبالغ فيها، وستعود إلى حجمها الطبيعى، خصوصا مع تنبيه الرئيس على الفكرة كلما تحدث (أنا مش هاعرف أعمل حاجة لوحدى)».

(4) قلت له أريد أن أعود إلى الفن لكن قبلها أريد أن أعرف هل حسمت بينك وبين نفسك وجهة نظر نهائية فى أمور معلقة فى ذهن كثير من المصريين لم يصلوا فيها إلى إجابة حاسمة مثل (البرادعى.. الأولتراس.. قانون التظاهر.. شباب الثورة والنشطاء)، قال.. «البرادعى لا يمكن اتهامه بالخيانة ما دمت لا أمتلك دليلا دامغا، انسحابه فى وقت حرج لم يكن عملا وطنيا، أستطيع أن أقول عنه إنه ليس مؤهلا لخوض غمار العمل العام بمعاركه».

الأولتراس نسخة من المجتمع المصرى ككيان نقى ووطنى، لكنهم مثل المجتمع أيضا فى كون وجود جزء منهم مخترقا ومستغَلًّا.

قانون التظاهر يحتاج إلى تعديل واحد وهو أن يكون التظاهر بـ(الإخطار) وليس بالحصول على تصريح من الداخلية التى من حقها أن ترفض أو تقبل، أرى أن (الحكاية لازم تتعكس)، يقدم المتظاهر طلبا لقاضى الأمور المستعجلة ويحصل على الموافقة فى ساعتها، وعلى مندوب الداخلية إذا رفضت التظاهر أن تحصل على حكم قضائى بذلك، وفى حال كون التصريح بالتظاهر غير موفق يعاقب القاضى وليس المتظاهر.

هذا على مستوى الرؤية الموضوعية للقانون، لكن على مستوى الرأى الشخصى أتمنى أن نحصل على إجازة من التظاهر فى هذا الوقت الملتبس تحديدًا، حيث يسهل أن يخترق المظاهرة من يحمل طموحا مخالفا لطموحها الأصلى، هى فترة حرجة للأسف، وهذا رأى شخصى.

التمييز بين نشطاء الثورة يقوم عندى على سؤال واحد (إنت بتعارض ليه؟)، هل تعارض فى سبيل بلد أحسن أم فى سبيل بلد تتمنى له الفشل؟، تعارض لتبنى أم أنك تعارض (عشان عايز توقعها)؟

(5) قلت له لماذا يبدو كبار النجوم فى مصر فارغين من أى هم ثقافى أو سياسى، وكأنهم لا يمتلكون صوتا فى هذه المنطقة سوى صوت السلطة، قال «الفن هو المهنة الوحيدة (اللى بيعينك فيها هو الجمهور)، من الممكن أن تزور الانتخابات لصالح حاكم فيصبح حاكما بالتزوير، لكن من المستحيل أن تزور قيمة فنان أو محبة الناس له.

لذلك أندهش كثيرًا من فكرة شعور فنان باحتياج لعلاقة مع السلطة، فهو أمر غير مفيد إلا لو عايز تتعين فى منصب إدارى، لكن بخلاف ذلك كلما كنت فنانا ذا قيمة كانت السلطة بحاجة إلى أن (تتصور معك).

على مستوى الفنانين الذين ذكرتهم ألتمس لهم العذر لسببين، الأول: نسبة الوعى السياسى والثقافى وبالقضايا العامة ضئيلة أصلا على مستوى المجتمع بكل طوائفه من الأطباء إلى الفنانين وغيرهم، ثانيا: الفن له طبيعة خاصة جدا لا تصرف الفنان فقط عن القضايا العامة، بل تصرفه عن أهل بيته والاهتمام بحياته الشخصية نفسها، هو يعمل طوال الوقت داخل وخارج العمل وفى أثناء النوم، لذلك ألتمس العذر لهم، ولكن المشكلة فى أن إخواننا فى الإعلام يعتقدون أنه طالما هذا الشخص موهوب فى التمثيل إذن فهو (بيفهم فى كل حاجة)، فيستضيفونه يسألونه فى كل شىء من الوطن إلى السباكة، (يضحك) المشكلة أن ساعات فيه نجوم بتجاوب.

قلت له من جانب آخر ألا ترى فى استقرار فنان ما فى صيغة الفنان المثقف المستنير تعطيلا لمسيرته كونه يصبح شخصًا لا يفضل القائمين على مهنة الفن فى مصر الاستعانة به؟، قال: «من يدير شغلانة الفن كل ما يهمه هل ثقافة ستجعله يعطل العمل أم لا، هناك أسماء تأخرت لهذا السبب، لأنها نقلت اهتماماتها إلى العمل وخلطت بينهما، ما أفهمه (وأنا أصلا لا أعتبر نفسى مثقفا، لأننى عاشرت المثقفين الذين يستحقون اللقب، ممكن أعتبر نفسى متابعا أو مهتما)، ما أفهمه أن أحدد ما يناسبنى قبل أن أقبل العمل، ليس ضروريا أن يعبر العمل عن أفكارى لكن على الأقل لا يتناقض معها، قد تكون لى ملاحظات أتداولها مع المؤلف أو المخرج قبل أن أقبل العمل، ماعجبنيش الكلام أمشى، لكن ما دمت قبلت فغير مقبول أن تعطل العمل.

قلت له (طيب واللى بيدعى أنه فنان مثقف وبيبنى مكانته بالادعاء ده؟)، قال: «هذا فى كل مكان، شىء منفر أنك تقابل شخصا مدعيًا وصانع أمجاد بهذا الادعاء، لكن الناس أصبح لديها من الوعى ما يكفى لأن تفضح كل هذا، ولذلك أنصح كل فنان أن لا يورط نفسه فى حالة زعامة وحالة قيادة وتوجيه للبشر.

قلت له (وحالة صاحب رسالة كمان)، (يضحك) أووووووه.. ورسالة طبعًا، (يضرب كفا بكف) إلا حكاية الرسالة دى، شوف لا يمكن أن يلتحق شخص بالتمثيل ويكون دخل المهنة علشان عنده رسالة، مستحيل، مافيش حاجة اسمها أنا صحيت الصبح لقيت عندى رسالة عايز أقولها للناس فقررت أمثل، ممكن الرسالة تيجى بعدين عن طريق اختياراتك الفنية، الفنان الحقيقى يدخل مجال التمثيل لسبب وحيد.. علشان بيحب التمثيل.

(6) قلت له عملت بين قوسين، واحد منهم من جيل الكبار أسامة أنور عكاشة وصالح مرسى والآخر جيل الشباب مثل عبد الرحيم كمال فكيف الفارق بين الجيلين؟، قال: «أتابع عبد الرحيم كمال منذ عمله الأول (الرحايا) حتى عملنا سويا فى (دهشة) وقلت له (أنا حاسس إنك هتعوضنا عن الكبار)، والحقيقة كنت أقصد أسامة أنور عكاشة، لكن أسامة كان مزروعا فى أعماق الشارع المصرى أكثر من الجميع، وكان مشغولا به، لدرجة أننى كنت أعتب عليه استغراقه فى السياسة، كان يكتب أكثر من مقال فى أكثر من جريدة ويظهر فى التليفزيون فى مناقشات حامية طول الوقت، كنت أخاف على موهبته من كل هذا الاستغراق، قلت له تفرغ طاقتك فى الصحافة يكفى مقال واحد أسبوعيا، لا تفرغ طاقتك كلها فى هذه المعارك حتى يصبح لديك ما تطرحه فى الدراما، كنت مقدرًا لحاجة أسامة لخوض هذه المعارك، لكن كنت أرى أنه إذا لم يفرغها بهذه الطاقة ستخرج فى الدراما وهذا مكسب له ولنا.

سألته لماذا يرفض لقب فنان مثقف وكيف لا يرى نفسه مثقفا أو لا يستحق اللقب على الأقل؟، قال «كيف يمكن أن يقول الواحد عن نفسه مثقفا بعدما عاشر عن قرب كبار هذا الكار وصادقهم، أسامة أنور عكاشة، وبهاء طاهر الذى بدأت صداقتى به عندما كان مخرجا إذاعيا فى البرنامج الثانى، وسيد حجاب، وألفريد فرج، وعلى الراعى، وعمر مكاوى الذى عرفنا ببرنارد شو بعد أن ترجم له (دليل المرأة الذكية)، وسيد خميس، وفوزى فهمى، وعندك محمود مرسى الذى كان بخلاف قيمته الفنية قيمة ثقافية كبيرة، عندك فنان مثل حمدى غيث لا يعرف كثيرون أنه كان أكثر أبناء جيله ثقافة وكان موسوعيا، بخلاف آخرين لا تعرفهم، منهم زوج والدتى وكان طبيبا وفى الوقت نفسه مثقفا كبيرا ومهتما بالكتابة، لكن المهنة والحياة العائلية عطلتاه عنها وكان صاحب دور كبير فى أن أتجه إلى الفن، كانت عائلتى كلها تقف ضدى لكنه دعمنى حتى النهاية.

قلت له لم تذكر بينهم صحفيين أو كُتاب مقالات، قال: «كان أحمد بهاء الدين صديقى على الورق، كان مرجعية سياسية وموضوعيا وصاحب طريقة تفكير علمى، وكانت تصادفنى أمور لا أقدر على حسمها، كنت أقول لنفسى (هاشوف بهاء هيقول فيها إيه فى مقاله)، وعلى الأرجح كنت أجد عنده الحل.

قلت له و(هيكل) ألم تساعدك قدراته الصحفية ومعلوماته على حسم مثل تلك الأسئلة ؟، قال: «أقول لك على حاجة بقى.. استفدت من هيكل فى منطقة أخرى، منطقة الأديب العظيم الموجود بداخله، أديب كبير صاحب طريقة فى التوثيق والترتيب والحكى ورسم النقلات الدرامية والقفلات الصاخبة وبخلاف بلاغته وقدرته على الإيجاز، أعتبر نفسى واحدًا من الذين تعلموا من طريقته.

(7) تشعب بنا الحوار إلى محبته لتجربة جيل الطويل والموجى وبليغ فى الموسيقى وإلى كون تجربة الطويل وحليم الوطنية ووردة وبليغ العاطفية الأهم بالنسبة إليه موسيقيا، ثم توغلنا فى ملاعب الكرة وفى وسط الكلام عن قدراتنا الكروية قلت له إننا نبالغ فى تقييم أنفسنا بدليل تجربة الكرة الجزائرية مقابل فشلنا القديم فى الوصول إلى كأس العالم، قال: نحن نتفوق فى الأشياء التى تحتاج إلى موهبة، ونخفق فى كل ما يحتاج إلى أسلوب علمى، حتى تلاقى أن التمثيل عندنا يتفوق على بقية عناصر المهنة، لأنه قائم على الموهبة أكثر من بقية العناصر التى تحتاج بقدر كبير إلى العلم، (يضحك) نصل إلى البطولة نفسها بالعافية، لأن التصفيات رايح جاى بينها فجوات زمنية تسمح بالانفلات وإهدار النظام والخطة العملية، لكن فى البطولة ولأن الفريق محبوس فى مكان واحد لفترة واحدة نتحول إلى معجرة نبهر العالم وقد نفوز بها بسهولة، الموهبة عندنا تنتصر على النظام، طيب أنت تعرف المصريين بنوا الهرم فى كام سنة؟، قلت له مئة سنة تقريبا، قال لى عارف إزاى؟، صمت، ضحك ثم قال: فى الـ100 سنة بنوا بس المصطبة الأولانية وفى يوم جه المقاول قال لهم الفرعون جاى بكرة يشوف الهرم.

المصدر

زر الذهاب إلى الأعلى