محمد فتحي الجابري | يكتب | كان اسمها سارة
الساعة المصلوبة فوق الجدار الذي شاخ الطلاء عليه تدق في رتابة معلنةً تمام العاشرة ، البندول الذهبي الأنيق يتأرجح في حركة لا نهائية دون أن يصيبه الملل ويعكس الضوء الذهبي في الغرفة مصحوبا بصورة الغرفة.
تشعر الغرفة بالدوار من كثرة أرجحة البندول لها فتسقط وتنفرط التفاصيل .
ورود ذابلة كانت يوما حمراء مشنوقة الأن في المزهرية القديمة التي تعتلي خزانة متوسطة الحجم للملابس رُفت فوقها بجوار المزهرية بعض الكتب .
رياح ليل الشتاء تضرب ستائر النافذة التي في لون القهوة فيتسلل شبح الليل إلى الغرفة ممزوجا بالرهبة .
السرير المُبعثرة محتوياته يلتصقُ بالأرضية في خنوع والأرضية الخشبية تلمع كأنها طُليت تواً بالزيت ، وخيط الدخان يتجول وحيداً في الغرفة .
الثريا المُذهبة العتيقة تتوهج كشمس صيفٍ نافر وتلمع في زجاج المرآه وأمام المرآه تنتحر السيجارة في بطء في فم سارة .
أطفأت سارة سيجارتها في لا مبالاة وأزاحت خصلات شعرها الأشقر المتهدل كعيدان القمح الذابل .
الدمع الأسود قد أنهى مهمتهُ ولطخ وجهها بخيوطٍ فحمية الأثر .
وقفت سارة وشعرت أن الموت يتشممها ، كانت عجوزٌ جدا وجهها عاثت فيه التجاعيد فساداً كالعجوزِ التي تروي قصة التيتانك ، ذوى جمالها وأصبحت أطلال إمرأة.
نظرت برعبٍ لنفسها في المرآه كيف ذبلت هكذا فجأة ، إنها لا تزال في الخامسة والعشرين من عمرها .
وضعت اصبعها الإبهام في فمها حسرةً وكأنها ( ريبكا) في ( مئة عام من العزلة ) وبكت.
قامت ، هرعت للمرحاض ، اغتسلت ، عادت غير التي ذهبت.
جلست أمام المرآه بجسدها المُكفن في المنشفة البيضاء وبدأ الهِرمُ يزحفُ نحوها ويأكل ملامحها من جديد ومنجم الذهب الكامن فوق رأسها تغزوهُ جحافل الشيب في كرٍ مريع .
ما هذا الذي يحدث؟
لم تدرك سارة أن روحها هي التي تشيخ في مرارة مما فاض أمامها في المرآه .
هرعت إلى خزانة ملابسها وانتقت أفضل أثوابها ، فستان أسود ساحر – كانت ممشوقة القوامِ فيه – مُحلى بالكثير من قطع الماس الاصطناعي فبدت كأنها صفحة السماء المليئة بأكوام النجوم التائهة .
كان الفستان الضيق ينتهي عند ركبتيها وارتدت حذائها الاسود اللماع ذي الكعب العالي ، بالغت في وضع مساحيق الزينة وسكبت الكثير من العطر الفاخر عليها .
كانت تحاول بشتى الطرق ان تهزم الإحساس المرير بالشيب والهِرم ، وظلت عيناها دواةً للدمع .
كانت خرافية الحسن باهرة لكنها لم ترَ نفسها هكذا أبدا ، كانت ترى أمامها في المرآه بقايا إمرأة عجوز عصف الزمن بأحلامها فانحدرت دموع الشمعِ فوق البشرة الخمرية الناعمة من عينين لا تبصر في زرقتهما إلا الصفاء المُطلق .
فتحت خزانة ملابسها مرةً أخري ، بعثرت محتوياتها حتى عثرت عليهِ.
شال أسود حريري ناعم ، اشتمّتهُ في قوة وحسرة ثم غطت به كتفيها العاريين ومسحت بطرفه دمعتها وخرجت.
تلاعبت رياحُ الليل بشعرها الناعم وبعثرته ليرفرف خلفها كراية جيشٍ مُنتصر ، واستقلت سيارة أجرة بعدما تغاضت عن نظرة سائقها الوقحة لها .
أِشعلت سيجارتها في السيارة وظلت تتذكر .
كان الشال الأسود موضوعا في علبة مخملية حمراء كُتب عليها ( كل عامٍ وانتِ أميرتي ) .
مدّ السائق يده للخلف بمنديل ورقي تناولته سارة دون أن تشكره لكن السائق ظل يتأملها في مرآة سيارته .
كانت سِحراً من أساطير جمال الاميرات في مرآة السائق ، وشتان بين المرآتين .
وصلت إلى القاعة ، دلفت إلي الحفل ، الفستان الأسود الساحر أين هو ؟؟
ليست تدري ، إنها عارية تماما والكل ينظر إليها في نهمٍ جائع ، تجمع الدمع في عينيها وانزوت في ركن القاعه تداري نفسها عن أعين الخلق .
وحيدة ، مكسورة ، ضائعة ، وعارية .
أقبلت عليها صديقتها بابتسامةٍ واهية وقالت ( ما أجمل فستانك).
تضاربت أفكارها ، أي فستان ، تنظر لنفسها فتجد نفسها عارية وكان الخوف يلفها برداء الوجع .
هدأت نبضات قلبها ، انتظم تنفسها مرة أخري وعاد الفستان يكسو جسدها من جديد .
تمالكت نفسها وشقت طريقها بين الجموع إلى هناك ، إلي مكان العروسين .
ورغم أن المسافة ليست طويلة إلآ انها شعرت أنها استهلكت قرونا في السير وكأن الأرضية ترفض استقبال خطواتها ، وصلت إلي نصف القاعة ولم تقدر علي المواصلة فوقفت ساكنة .
ثم خلعت شالها الحريري ولفتهُ حول وسطها وعلي الانغام الشعبية الصاخبة بدأت ترقص.
تحلّق الشبابُ حولها وظلوا يصفقون لها معلنين انبهارهم بجمالها وقال أحد الواقفين : يا لهذا الجمال الفاتن ، مَن هذه؟.
فقالت صديقتها بعدما نظرت للعريس : كانت حبيبتهُ.
——————–
الشرقيه توداي






