
(1) فى يونيو 2014 وافقت الخارجية المصرية على طلب إسقاط الجنسية الذى تقدم به نحو أربعين مواطنا مصريا، لم يلفت نظرى فيهم سوى المواطن: متولى محمود محمد السيد، الذى تنازل عن جنسيته لصالح الجنسية الزيمبابوية!
لم تقل الجريدة الرسمية أى سبب، وظل الخبر لغزا استلزم منى قراءة كل ما يمكن قراءته عن زيمبابوى، وأنا أسأل نفسى: هى زيمبابوى أحسن من مصر فى إيه؟
بلد غير ساحلى، يقع فى نطاق غابات السافانا، ينتشر فيه الصيد الجائر وقطع الأشجار، فقير لدرجة اعتماد العديد من المدن فيه على الطاقة الكهرومائية بمساندة دول مثل موزمبيق التى مارست ضغوطا بسبب ديون زيمبابوى لها، أدت إلى أن بعض مدن زيمبابوى لا توجد فيها الكهرباء إلا ثلاثة أيام فى الأسبوع!
زيمبابوى بها أقل متوسط عمر للإنسان نتيجة للفقر وتردى الخدمات الصحية، لكنها -ويا للعجب- تحتل المرتبة الأولى على مستوى الدول الإفريقية فى محو الأمية، إذ وصلت نسبة مواطنيها الذين يقرؤون ويكتبون إلى ما يزيد على 90%، وفى نفس الوقت فالجنيه المصرى يساوى ما يقرب من 47 دولارا زيمبابويا!
ما الذى أغرى المواطن متولى محمود محمد السيد فى جنسية زيمبابوى إذن؟ ولماذا تنازل عن جنسيته المصرية؟
(2)
فى مدرسة (قفط) بإحدى قرى الصعيد، طلبت (الأبلة) سناء مصطفى من تلاميذها فى المرحلة الابتدائية أن يكتبوا رسائل إلى (ربنا). انتشرت الرسائل على السوشيال ميديا، وظهرت الأبلة مع تلاميذها فى برنامج (ممكن) على قناة «سى بى سى»، وطلب منهم فريق الإعداد كتابة رسائل جديدة بعد نجاحهم وتفوقهم، وكان ضمن الرسائل رسالة لطفلة فى الصف الرابع الابتدائى كتبت ضمن سطورها (يا رب محمد سلطان يطلع من السجن).
كيف وصلت (قضية) محمد صلاح سلطان صاحب (الأمعاء الخاوية) لفترة (إضراب عن الطعام) زادت على الـ400 يوم إلى طفلة فى (قفط)؟
محمد صلاح سلطان أمريكى مصرى، تقول الرواية المعتمدة من أهله وأصدقائه إنه جاء إلى مصر لزيارة والده الداعية الإخوانى صلاح سلطان المصاب (حسب العديد من البوستات) بمرض السرطان، فتم اعتقاله من منزله بصحبة آخرين، وتقول الرواية الرسمية إن محمد كان ضمن (خلية) ما يعرف إعلاميا بـ(غرفة عمليات رابعة).
وجه محمد رسالة إلى رئيسه باراك أوباما، ثم مع مرور الوقت اكتسبت قضيته اهتماما عالميا، وكانت المحطة الأخيرة لها حين قرر النائب العام المصرى ترحيله وفق القانون 140 لسنة 2014، بعد أن تنازل عن جنسيته المصرية ليستكمل محاكمته فى أمريكا.
وصل محمد إلى أمريكا، وكان أول ما فعله تقبيل الأراضى الأمريكية، وسط فرحة من عائلته وأصدقائه بانتصار (الجدع) فى معركته وخروجه منها حيا و(حرا).
ليس السؤال هو: لو كان محمد سلطان بريئا، فلماذا تم حبسه، ولو كان مذنبا فلماذا تم ترحيله؟ ولا حتى السؤال عن: أى قانون هذا الذى يرخص من الجنسية المصرية لهذه الدرجة المهينة التى تجعل البعض يرى فى أن (الخلاص) لا يكون سوى لمن يحمل جنسية أجنبية؟ لكن السؤال هو: لماذا تنازل متولى عن جنسيته المصرية لصالح زيمبابوى؟
(3)
هذا هو العبث الدائر إذن. عشرات فى السجون يمكن أن يخرجوا لو كانت لديهم جنسية أجنبية. بينما يبقى (المظاليم) بسبب جنسيتهم المصرية رهن تحريات وتحقيقات لا تنتهى ومشكوك فى صحتها. قانون (غريب) صدر فى توقيت أغرب، ومزايدون من كل الأطراف، ومأفوراتية فى كل معسكر، لكن الخبر الجيد أننى عرفت لماذا تنازل متولى عن جنسيته المصرية لصالح زيمبابوى، من واقع حوار أجرته معه زميلتنا المجتهدة شيماء جلهوم، حيث اتضح أن متولى المواطن البورسعيدى الذى لم يعد يحصل على معاشه اتجه إلى بنك القاهرة لمعرفة السبب فاكتشف أنه (ميت)، وأن المعاش توقف لهذا السبب، ورغم عشرات الشكاوى لكل المسؤولين فلم يستجب له أحد، مما جعله يتنازل عن جنسيته لصالح جنسية زيمبابوى، وهو يقول: «البلد بقت بتاكل ولادها وتموتهم وهما على وش الدنيا.. يبقى إيه اللى يخلينى أعيش فيها مذلول وضايع حقى»!
المصدر





