وائل قنديل يكتب : مرسى زائر الفجر

انتظر المصريون رئيسهم عند الثامنة مساء فجاءهم فى الثانية فجرا.. تلك هى مشكلة النظام الأساسية، يأتى متأخرا ويتحدث متأخرا عندما يكون الحضور والكلام مبكرا وفى التوقيت السليم هو المطلوب.
إنها لسيت أزمة هندسة إذاعية، بل بالأحرى هى مشكلة هندسة سياسية، يمكن فهمها فى إطار قلة التجربة وعدم وجود الخبرة الكافية، وهذا أمر منطقى فى بلد جفت ضروعه وتيبست أوصاله وأصيب بالتصحر خلال أكثر من ثلاثين عاما أمضاها بلا تغيير أو تطوير أو إتاحة مساحة ولو ضئيلة للسماح لبدائل بالوجود والنمو.
لقد خرج الجميع من كهف حالك الظلام إلى الأضواء فجأة، فطبيعى أن يأخذوا وقتا كى يقووا على الإبصار أولا، ثم ينتقلون إلى مرحلة الإدراك والفهم وممارسة حياة جديدة قلبا وقالبا، لا يستطيع أحد أن يزعم أنه كان يمتلك أدواتها ووسائلها، خصوصا أن أحزاب ما قبل 25 يناير لم تكن تمارس السياسة بمفهومها الدقيق بقدر ما كانت تلعب أدوارا تكميلية وتجميلية داخل الحدود والمساحات التى سمح بها نظام مبارك.
وكما خيم الارتباك على الإرسال، فقد حدث الشىء ذاته مع التلقى، ذلك أن كل الاهتمام والتركيز انصبا على شكل الحوار التلفزيونى للرئيس مع عمرو الليثى، فيما تم تجاهل المضمون وموضوع الحوار الذى جاء متأخرا جدا.
لقد أمسك المعترضون والنقاد بتلابيب وتفاصيل وهوامش الحوار، هروبا من مواجهة موضوعه وما ورد فيه من إجابات تخص اللحظة الراهنة، وهو هروب يأتى متسقا ومتناغما مع حالة الهروب من الموضوع إلى الشكل فى كل القضايا والاستحقاقات المطروحة على أطراف المشهد السياسى.. وفى مقدمتها استحقاق الانتخابات النيابية، حيث يتم الاختباء منها بإثارة قضايا أثيرت من قبل وقتلت بحثا ونقاشا وعراكا واشتباكا.
وفى ظل هذه الغابة الكثيفة من الكلام عن مقاطعة الانتخابات بحجة أنه سيتم تزويرها لا محالة، وبذريعة عدم وجود ضمانات للنزاهة والعدالة، يدعو الرئيس إلى حوار ونقاش وتفاوض للاتفاق على الضمانات المطلوبة، والمعايير اللازمة لإجراء انتخابات سليمة.. وبدلا من التعاطى مع هذه الدعوة يتم استخدام تكتيك الهروب إلى الأمام بالاستغراق فى نقد وتفنيد وتمحيص الطريقة والأسرار والكواليس التى صاحبت الحوار وجعلته يتأخر ست ساعات عن موعده التلفزيونى.. تماما كما يجرى استدعاء موضوعات تصلح للعراك والاشتباك من الأرشيف، مثل قضية النائب العام والنفخ فى موضوع الانفلات الأمنى والشطط المجتمعى.
ومن أسف أن الجهد المبذول فى تعقيد المشهد وإفساد أرضية الملعب بإغراقها بخراطيم الكلام لو بذل نصفه فى استعداد جاد لخوض الصراع السياسى والمنافسة السياسية وفقا للقواعد والآليات المعروفة فى كل دول العالم، لما احتاجت أطراف فى المعارضة أن تهدر طاقتها فى اختراع حجج ومبررات للتهرب من مسئولياتها.
ومرة أخرى أفهم أن يقاتل البعض من أجل ضمانات وطلبا لرقابة محلية ودولية محترمة وصارمة للانتخابات، لكن غير المفهوم أن يلوح البعض بإحراق الملعب وإغراقه حتى يعفى نفسه من مسئولية المنافسة.
المصدر





