مقالات | محمود سعيد : يكتب | كــفـــرنا بــكـــم
مشاهد لحشود من المتظاهرين تملأ الشوارع .. هتافات “عيش .. حرية .. عدالة إجتماعية” .. مشاهد من جمعة الغضب .. قتلى .. مصابين .. الملايين يملئون الميادين .. موقعة الجمل .. خطاب التنحي .. مشاهد من محاكمات الرئيس المخلوع وأفراد نظامه .. مشاهد من الإحتجاجات .. قتلي آخرين ومصابين .. أحداث محمد محمود نوفمبر 2011 .. الدراجات البخارية تحمل المصابين .. أحداث مجلس الوزراء .. قتلي .. مصابين .. معتقلين .. قنابل غاز .. الدخان يملأ المشهد .. طلقات خرطوش .. اعتصامات .. مطالب ثورية .. اجتماعات .. تتعالى الوتيرة .. مشاهد لناخبين امام اللجان .. مشاهد فرحة وتلويح بالأعلام فى الميادين .. سباب فى برامج تليفزيونية .. صراع .. حشود …. شجار .. سباب .. قتلى وجرحي من جديد.. تتسارع وتيرة الأحداث بدرجة كبيرة… سباب .. شجار … جرحي .. دماء .. شاشة سوداء مظلمة.. صمت””.
كنا فى الأيام الأولى بعد نجاح الثورة فى خلع “مبارك”، كنت وأصدقائي –ومثلنا كثير- نسير فى الشوارع وكأننا نسير فيها للمرة الأولي، وكأننا نرى الأشياء بعيون أخرى، كل شيء كان جميلا حالما، الأشجار .. البيوت .. وجوه الناس .. شاطيء البحر .. الميادين ورسوم الجرافيتي .. كل شيء.. كنا نتحدث فى كل المواضيع ونحلم بكل الأحلام التي كانت دوماً ضربا من خيال، كنا نلتقط الصور ونشترى تذكارات .. بدأنا نُعلـّـم ونتعلم معنى أن تحلم لغيرك، أن يكون لك وطن تتمتع فيه بحقوق، وتنتظر فيه اللحظة التي تجد فيها الفرصة لتأدية ما عليك من واجبات، حتى وإن كانت التضحية بالروح من ضمن هذه الواجبات.
كنا ننطق بالكلمات وكأننا ننطقها للمرة الأولى ونستشعر مذاقها جميلا جديدا، كلمات مثل “مساواة”، “حرية”، “تقدم”، “حلم”، “وطن” .. وكلمات أخرى كثيرة، كانت نسائم الحرية تفعم انفاسنا للمرة الأولى ونملأ منها صدورنا فى شوق بالغ.
ومن إفتراش الأرض فى الميادين، لإفتراش الأرض فى الشوارع أمام مكتبة الإسكندرية لنحضر ندوة للدكتور فاروق الباز، لندوة أخرى فى ساقية الصاوي، طعم “البطاطا” المشوية من عربة بالشارع يختلط مع مقالات معتز عبد الفتاح وكاريكاتير أشرف حمدي.. كنا نفكر طوال الوقت،.. هل ترى أولوية لمشروع تطوير التعليم؟.. أم مشروع ممر التنمية؟.. هل حقا من الممكن إستغلال شاطيء قناة السويس؟.. هل ترى النظام البرلمانى أكثر ملائمة لنا أم النظام الرئاسي؟.. هل تبرعت لمؤسسة مجدي يعقوب؟.. هل شاركت فى قافلة “رسالة” لأهالينا فى حلايب؟..إلى أي كيان تطوعي تنتمي؟.. وكيف تسدد ما عليك من واجبات تجاه الوطن؟؟.. كنا نفكر .. ونكتب .. ونشارك ..ونحلم..
وبين صور شهداء الثورة المعلقة على حوائط الغرف، وتمائم وتذكارات الميدان، وبين كل محاولات التغيير التى قام بها الكثير منا، سواء التغيير الشخصي للأفضل، أو محاولات التغيير فى المجتمع والبيئة المحيطة، وبينما نحن ننتظر أن نرى تغييراً حقيقياً على الأرض، فوجئ الجميع بأنه لم يتحقق من مطالب الثورة الحقيقية شييء، ورويداً رويداً ومع تعاقب الأحداث المتوالية، عادت الدماء تسيل فى الشوارع من جديد، وعلا صوت المصلحة الفردية عكراً نشازاً، وصار كل حزب بما لديهم فرحون.
انقسم رفقاء الميدان، وكالوا لبعضهم البعض التهم القديمة الجاهزة من عمالة وسعي للتخريب، ووجدنا أنفسنا نعود لنقطة الصفر أو ما قبلها، فبين نظام حاكم يكرس المحاباة ويقدم الولاء والطاعة على الكفاءة الشخصية، وبين معارضة غير عقلانية لا تحسب لعواقب أفعالها حساباً، ضاعت أحلام الثورة النقية، وصار المشهد على ما هو عليه الآن، تخوين من كل الأطراف لبعضها، التجارة بكل شييء من مباديء أو ثورة أو حتى دين، وصار خلط الأوراق هو السمة الغالبة، فلا يهم أن كان ما أفعله يصب فى مصلحة الوطن قدر ما يهم أن يظهر الآخر فى شكل المخرب العميل المعتدي.
واصبح إستعراض القوة هو النشاط الأغلب فى أجندة الأحداث اليومية، بحشد مليونية فى ميدان، يقابلها مليونية فى مكان آخر، وبين إعتصام يقابله إعتصام آخر، وحجز الإعلام لنفسه نصيب الأسد فى النفخ فى النار وإلهاء البسطاء، فبعد ملحمة “تامر” و “عمرو” قبل الثورة، صار لدينا الآن ملحمة “باسم” و “خالد”، وتحول النشاط الإعلامي لدينا لنوع بذيء جدا ومنخفض للغاية من “الردح”، وإستعمال الألفاظ والإيحاءات، وتحول الوضع إلى ما لا يمكن تسميته سوى بـ “المسخرة وشغل العيال”.
وبين تهليل الجموع الغافلة، وبين مؤسسة رئاسة مصممة على أن (المصريين طيبين وميعملوش كده)، ولا يشغلها سوى إصدار القرارات والرجوع فيها، تاهت أحلام الثورة، وعاد البسطاء يكفرون بكل أمل فى تطور هذا الوطن، فأغلبية الشعب لازالت تكتوي بنار الأسعار والتضخم والبطالة والمرض والفساد وسوء ظروف المعيشة، وظل الحال على ما هو عليه، وضاعت أحلام الثورة الغضة بين صراع السلطة الشهواني وتشوية الآخر.
ألا يجب علينا الآن أن نلتفت لمصلحة هذا الوطن؟.. أليس من الأشرف لنا أن نموت بينما نبنى جسراً، أو نزرع شجرة، أليس فينا من يحمل هم المحتاجين والبؤساء والعاجزين، ألن نفهم أن الأشخاص زائلون وخطاءون؟، وأنه لا ولاء الإ للحق وللوطن؟..
ننتظر الآن مشاريع تنموية، ومبادرات للنهوض بالتعليم والصحة والبحث العلمي، ننتظرالإهتمام بتوفير الأمن للبسطاء وليس لمن يملكون دفع رواتب الحراس الشخصيين، ننتظر تحسين ظروف المعيشة، وقبل كل ذلك ننتظر ترك جميع أشكال الصراع والتفرغ للتنمية الحقيقية، وأخيرا أقولها لمن يسمون أنفسهم “نخبة”، سواءاً فى الحكم أو فى المعارضة، كفرنا بكم جميعاً، فاستقيموا .. أو إرحلوا ..
“ربنا إجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لإحد غيرك فيه شييء”
وتبقين يا بلادي في دمي
بقلم : محمود سعيد
مقالات القراء لا تعبر بالضرورة عن رأي الشرقيه توداي






