رأي

محمد الجابري | يكتب : في رفقة الموتى

جابري

إنَّ احْتِمَاءَ القلبِ بالأوْهَامِ
سُكْرٌ قاتلٌ،
مثل ابتساماتِ العَدَمْ
مثل التآنّسِ بالفراغْ.
أوّاهُ يا قلبي المُدَخِنَ للخَوَاءْ.
***
في رفقةِ الموتى
أحاديثُ الحَياة.
للميّتِ المذبوحِ فلسَفةٌ
تجرُّ الحالمينَ إلى الوضوحْ.
للميّتِ السكْرانِ أُغنيةٌ
يخيطُ رداءَها نَوْلُ البُكاءْ.
والميّتُ المجْنونُ
يَسْكرُ فوْقَ مَذبَحِهِ،
فقدْ سَلَكَ الطريقَ
مِنَ الوضوحِ إلى البُكاءْ.
هُمْ مَيّتونَ بغيرِ قبْرٍ
يحْتوي أنّاتَهُمْ
هُم ميّتونَ لأنهمْ
شرِبوا الحياة .
******
في رِفقةِ الموتى
تصاويرُ الحقيقةِ في المَرَايا
فالماءُ يكرهُ شاربيهْ.
والبُنُّ يلْعنُ طاحِنيهْ.
والوردُ يمْقتُ قاطفيهْ.
حتى العصافيرِ الجميلةِ
تكرهُ البَشرَ الذين يُقوضونَ بَراحَهمْ،
هلّا اختبرْتَ مَذاقَ قضبانِ الذهبْ؟.
****
في رفقةِ الموْتى
رأيتُ البحرَ مسجوناً بقوقعةٍ
يبثُّ شجونهُ للناسْ.
ويضمُّ مَنْ يَسْمعْ لحُضْـنِ العُمْقِ
يشكرهُ ويعشقهُ،
فيحْكي الناسُ عَنْ غدرٍ ،
وما في البحْرِ مِن فِعْل الردى،
البحرُ يعشقُ في الحقيقةِ سامعيهْ.
*******
الحُلمُ طيفٌ
في سماءِ الراسخينَ بموتهمْ
وجهُ الحقيقةِ
للمَواتِ وظهرُها للحالمين
هي قبضةٌ من أثرِ الرسولِ تذوبُ في المعنى….
*********
في رفقةِ الموتى ترى
تلكَ التباريحَ العميقةَ
للخروجِ مِنَ الشقاءْ.
وكهولةَ الطفلِ المُشبّعِ بالصباحِ
إذا حبا نحو المَسَاءْ.
ذاكَ التناثرَ في حُبيْباتِ الندى،
ذاكَ التفرّدَ في صفات الانبياءْ.
كلَّ الحقائقِ عارياتٍ
مثل أغصَان الخريفْ.
******
لا قلبَ ينهَشهُ القلقْ،
لا وجْهَ يظمأُ للشعورْ.
هُمْ يَسْكرونَ مِنَ
التوجّعِ
والتعثرِ في التجاربِ
والغروبْ.
فَقَدوا الشعورَ بعقربِ الساعاتِ
فانطفأ الزمانْ.
سُلِبوا التواجدَ في المُحيطِ،
تبعْثروا في اللا مكانْ.
****
اللوحةُ السوداءُ توْلدُ
باحتضارِ الريشةِ الخضراءِ
في الجُزءِ المعبّقِ بالغُبارْ.
صِفرٌ تعلّقَ في الوَسَطْ
عَشِقَ اليمينَ
ومَاتَ مِنْ أهْلِ اليَسَارْ.

Eman Salem

كاتب صحفي ورئيس تحرير موقع الشرقية توداي
زر الذهاب إلى الأعلى