أعمدةمقالات

عمرو خفاجي | يكتب: الجحيم يبدأ من هنا

S720111112472

لا يوجد أدنى شك، أن الجو العام فى مصر، جو سيئ وردىء، ولا يصلح مطلقا للاتفاق أو التوافق على أى شىء، ربما يمكن أن يكون هناك ما يشبه تبادل الآراء حول قضايا هادئة وغير مختلف عليها كليا من الأساس، أو لا تمثل انعكاسا لخلافات الهويات والأيديولوجيات، ممكن أن تنشئ حوارات عن العدالة الاجتماعية، أو نرى مناقشات عن كيفية تطوير التعليم، ربما يمكن أن نفتح الجدل حول الطريقة المثلى لرفع مستوى الرعاية الصحية، أو يتم تداول الأفكار بشأن التعامل مع منظومة الدعم، أما دون ذلك من قضايا وأزمات فهو دعوة صريحة للاشتباك والخلاف، وتغذية روح العداء عند الأطراف المختلفة، فلا يمكن تصور أننا فى هذا التوقيت قادرون على إدارة حوارات بين توجهات سياسية متباينة، أو مواجهة حقائق أيديولوجية، أو التشكيك فى مصداقية أى جماعة أو فريق، فلن نجنى من هذا إلا المزيد من الفرقة.

يظهر ذلك جليا فى جميع المحاولات الإعلامية التى فعلت ذلك، ولا يوجد مثال أفضل مما حدث قبل عدة أيام، حيث انتهى «حوار» أو المفروض أنه حوار بين ضيفين داخل استوديو، إلى تبادل الاتهامات والسباب ثم التراشق بالمياه، وهو ما يعكس بالضبط حالة الجو السياسى السيئ والردىء الذى نشير إليه، فإذا كان ذلك حال النخب، فما بالنا بالجماهير المشحونة أصلا، وماذا يمكن أن يقدم لهم مثل هذا الحوار، أو تلك المواجهة، سوى المزيد من الالتهاب وتأجيج مشاعر التناحر، وتهيئة الأجواء لممارسة العنف، وتلك هى الكارثة التى ألمحها تطل برأسها من حين إلى آخر.

بصراحة، لا أعرف لماذا لا تتحمل النخب السياسية والفكرية والإعلامية مسئوليتها القيادية للجماهير فى هذا التوقيت العصيب، الذى لا تخفى خطورته على أحد، وإذا كانت بعض النخب تتمسك وتتصلب فى الترويج لأفكار وسياسات تدعو للعنف والفوضى، فهذا لا يعنى أبدا أن تسمح النخب التى تنتمى لتيارات معاكسة بذلك، بل هى مدعوة للتدخل لتهدئة وتلطيف الالتهاب الحاصل فى زوايا المجتمع، لا المشاركة فى دعم أفكار وسياسات العنف تحت دعاوى مواجهة تلك الأفكار أو الرد عليها، لأن ذلك من شأنه الانعطاف بالأزمة التى نحياها إلى مناطق مهيئة للاشتعال فى أى لحظة، المطلوب من النخب العاقلة، إطفاء الحرائق لا إشعالها، ومساعدة المجتمع على عدم الانفلات والانصياع للقانون، والانضباط المجتمعى، من أجل عودة السكينة للمشاعر الجمعية للجماهير التى باتت مرهقة ومنهكة ومتوترة وعلى ما يبدو أنها أصبحت قاب قوسين أو أدنى للانفلات والتحول من الإرهاق والإنهاك والتوتر، إلى الكراهية والشراسة والبغضاء نتاج ما عانته طوال الشهور الماضية.

ما لا يدركه كثيرون، كما قال لى طبيب نفسى مصرى مقيم فى بريطانيا زار القاهرة مؤخرا، أن الجهاز العصبى للمجتمع تحمل فوق طاقته بكثير ، وغالبا، إذا استمر الوضع على ما هو عليه، سينتج عن ذلك انفلات ممارسات عدوانية غير مبررة، وأن هذه العدوانية ستنتقل، بالضرورة، لأى سلطة، بحيث تتماهى مع المزاج العام للشعب، ووقتها سيكون الداعون للعنف وممارسوه فى مقدمة ضحايا عدوانية السلطة، لذا الرجل ينصح الجميع بقطع الطريق على كل الذين يحاولون وضع الأضداد فى مواجهة، حتى لو بحسن نية، لأن ذلك بداية الطريق إلى الجحيم.

المصدر

زر الذهاب إلى الأعلى