كنت فى مكتبة «بارنز ونوبل» فى حى «جورج تاون» فى العاصمة الأمريكية حين كتبت هذا الفصل فى روايتى «مقتل الرجل الكبير» (وقد جرت لهذه الرواية حوادث وحكايات تستحقّ أن تكون رواية أخرى أو ملحقًا للرواية ذاتها)، المهم جلست فى هذه المكتبة الضخمة الرائعة التى لها فروع فى كل أنحاء أمريكا، وهى جنة الكتب على الأرض، وفى كل مكتبة جزء مخصص للقهوة والجلوس للقراءة والكتابة والاطّلاع، ولاحظ، كان هذا منذ 14 عامًا ولم تكن مصر قد عرفت هذا الشكل من المكتبات بعكس وقتنا الحاضر، وإن كانت مقارنة أى مكتبة مصرية بهذه المكتبة الأمريكية ظلمًا للجميع، وربنا ما يكتب الظلم على حد، فـ«بارنز آند نوبل» فعلًا مكتبة مذهلة باهرة من أهم حاجة إلى ولا حاجة، أكمّل لك يا سيدى.. كنت أكتب على طاولة فى هذه المكتبة -وجنبى ماجّ قهوة قدّ حلة الشوربة بتاعة خالتى- فصلًا من روايتى، ويبدو أننى ساعتها كنت فرجة الناس فى المكتبة، فقد كان مشهدى كالتالى: أضحك وأقهقه وأدمع وأنا أكتب فى الورق من فرط المسخرة والسخرية، وأتوقف لالتقاط أنفاسى ورشفات قهوة وأنا مذهول كيف يحدث هذا الواقع وكيف أكتب هذا الكلام وهل أتصور أنه سيجد قارئًا فى مصر!
تَقَدَّمَت منى سيدة عجوز مبتسمة وسألتنى: ماذا تكتب بالضبط؟ أجبت بإنجليزيتى الرديئة التى تغيظ ابنى يحيى وبتفطّس بنتى فاطمة على نفسها من الضحك على أبيها الذى يتحدث الإنجليزية الفلاحية المنوفية، المهم رديت على السيدة: «أكتب رواية»، فابتسمت وقالت لى: «أتمنى أن تكون أعلى المبيعات»، ومنعتنى لغتى من أن أقول لها إنه ليس لدىّ أمل كبير فى نشرها بمصر، ثم كلفنى هذا الفصل أكثر من ثلاثين دولارًا أمريكيا إذ أخذنى الفرح بما كتبت مثلما هى حماقة كل المبدعين واتصلت بصديق لى فى القاهرة أقرأ عليه الفصل كاملا (الدولار وقتها كان بثلاثة جنيهات ونصف، وكنت مستضافا من جامعة جورج تاون فى ندوة شاركنى فيها الكاتبة الكبيرة أهداف سويف وصديقى ملك النوبة محمد منير والمفكِّر المرموق مأمون فندى).
إلى هذا الحد كان فرحى بهذا الفصل.
لكن الرواية صُودِرَت… سبحان الله!
المصدر






