أعمدة

ابراهيم عيسي | يكتب : فى صالة الوصول

ابراهيم عيسي

التصقت أنفى بالزجاج، سور زجاجى طويل يفصل بين هذا الممر الذى أقف فيه الآن والصالة الضيقة التالية لصالة الوصول، داعبت أصابعى الضباب المتكون من أنفاسى على الزجاج، حاولت كتابة شىء، حرف ما «نون ربما»، أو كلمة، لكنها الرغبة باخت والمشروع تراجع مع يدى المنسحبة إلى جيبى، ثم نظراتى الملقاة على الوجوه الجالسة فى الكافيتريا الخلفية، مساحة من البلاط العارى ثم مائدتين صغيرتين خلفهما حاجز خشبى منقوش كالمشربيات بتشكيل إسلامى قشرى، أكواب للشاى على مائدة خالية منزوية عند نافذة تطل على منطقة من ساحة إقلاع الطائرات، حيث طائرة تبدو صغيرة متوقفة بمقدمتها التى تشبه منقار بومة، وأخرى تجر عجلاتها على الأرض نشهد حركتها البطيئة المشرعة، يحرك ابن عمتى الذى يرافقنى فى الجلسة والانتظار أصابعه نحوها.

– ها هى طائرة تقلع.

حين يضج أزيزها يضطرب صدرى ويخاصمنى الفرح وتنقر كآبة خاصة بى قلبى، كأنها طراز معين من الكآبة أعملت فيه تكنولوجيا الأحزان كل طاقاتها فى مصنع مرعب من الآلات والأسلاك والعبوات والمعاطف التى يرتديها المهندسون والأرقام الإفرنجية على الحوائط فى ساعات لضبط الوقت، وأخرج المصنع لى وحدى صنفًا من الكآبة يليق بطلبى ولا يفك ولا تبدل قطع غياره حتى إذا عاد إلى المصنع ذاته، يطلقون عليه اسمى لأن عميله متميّز طلب هذا الطراز وعكف على صناعته أعتى مصمميهم دقة وأعلى فنييهم خبرة وأكثر آلاتهم تقنية، كل هذا حين تطير هذه الكتلة ذات الشكل المسحوب طائرًا معدنيًّا مقلدًا .

– أين أنت يا عباس يا ابن فرناس؟

تراجعت عينى عن كوبَى الشاى الفارغين إلا بقايا أخيرة خفيفة، واستدرت إلى الممر الضيق الذى احتشدت فيه العيون المنتظرة، كلنا يحمل لهفة على رموشه ويأتى بها إلى هنا، الأكتاف متراصة والأقدام متعبة، لذا فقد اختار أصحابها الاستناد إلى بروز أسمنتى مقابل، يجلسون فوقه فى اتكاء متعب وعيونهم فوق الزجاج أو على ظهور رفاقهم المنتظرين خلف الزجاج، قد يلمحون إقبال الأب، وفود العائلة، يضجون بالفرحة، فينتبه الجالسون، يقفزون إليهم ويتبادلون مع المقبل العائد تلويحات الأكف، ويجرون نحو نهاية الممر، حيث التقاؤهم فى المساحة الأمامية لصالة الوصول أمام ساعة الاستعلامات الإلكترونية المثبتة، تتغيّر أرقامها وتتقلّب عواصم العرب كلها فى خاناتها، حتى تستقر عند عاصمة بعينها، تأتى منها طائرة تقل قادمين للمنتظرين وتزف فرحًا للقابعين فى شبق التقاط دقائق للسعادة واستمهال عادة استحلاء الغربة وتعوّد الرحيل واعتياد الفقد وائتلاف المسافات البعيدة.

كان أطفال يرتعون فى الممر بين الجالسين تعبًا والواقفين تعبًا، أقدام الأطفال تدق البلاط وأصواتهم الصارخة تتداخل فى الفراغ وأسئلتهم الملحة لأم واقفة، هل جاء أبوهم؟ لجد جالس، لماذا تأخّرت الطائرة؟ ثم يعودون للعب ويلعب المنتظرون فى صدورهم، سلسلة أخت أو مصحف معلّق على صدر زوجة أو زر قميص شاب، ثم تدق أصابع على الزجاج وقد يأخذها تطرف فيهتز الزجاج فى السور كله فتتجه الأنظار عاتبة إلى صاحب الأصابع العصبية، البعض اتجه نحو شباك زجاجى مطلى ببياض يمنع الرؤى، لكن الأيدى قشرت الطلاء فى أيام طويلة لينكشف زجاج النافذة الضيقة المطلة مباشرة على جزء من باب الولوج من صالة الوصول إلى الصالة الصغرى التالية لها، التى نتعلّق عندها، وكان الوقوف أمام هذا الشباك القاتل من هذه الكوة نصرًا للمثابرين الذين يعطون لأقاربهم الواقفين أمام سور الزجاج أو المتسكعين فى الممر، صيحة قدوم المنتظر، عودة الغائب، فتسرى فرحة مزقزقة فى الممر كله وهرج فوضوى مثالى، أُمّ تنسى طفلها فيعدو خلفها صارخًا فيمسكه خاله، جد يستيقظ من غفوته على كف تهز كتفه، فيقوم بينما يكون الجميع قد انطلق خارج الممر، غطاء رأس يسقط مترنحًا من سيدة محجبة ملهوفة، حذاء ينخلع من طفلة ملتاعة للمشهد وللعودة.

وحين ينتهى كل ذلك نبدأ فى الرجوع إلى الشباك والسور الزجاجى ننتظر ونرقب ويصرخ آخر لثالث.

– بابا أهو.. أهو.

ولا ينتبه الأب العائد، عينه محدقة فى المساحة الخالية غير متيقن من وجوه كثيرة تحملق فيه من وراء الزجاج وسيارات البضائع المتوقفة أمام باب السوق الحرة وحقيبة الأوراق فى اليد الدافعة للسيارة وحقيبة ملابس تسقط فيتوقف ليعيدها إلى موضعها، ثم تنفلت منه السيارة الصغيرة فى انحراف عند استقامة السير نحو الخروج ويعجز عن إعادتها إلى مسارها المستقيم، فيتوقف آخر لمساعدته فيبتسمان متعجلين، وحين يفيق على خبطات الأكف على سور الزجاج يلمح وجه ابن أو أخ، فيضحك ويتوقّف بدلاً من استكمال السير إلى الخروج واللقاء بهم، يتّجه نحو سور الزجاج ويصافح أكفهم خلفه، ثم كأنه وصل إلى محطة قلبه، يتوقف حتى يحثّه المنتظرون على الخروج للتلاقى واللمس والعناق وحرارة اللقاء ونوّرت مصر يا بابا.

المصدر

زر الذهاب إلى الأعلى