أحمد المسلماني | يكتب : خريف سوريا (2)
يزيد العدد الإجمالى للسوريين على الأربعين مليوناً، يعيش نصفهم تقريباً داخل سوريا ونصفهم يعيش كمواطنين فى أوروبا والأمريكتين وأستراليا، ويجرى تعريفهم بعبارة «من أصول سورية».. ويصل عددهم طبقاً لبعض المصادر إلى (20) مليون «سورى الأصل» حول العالم.
وحسب تقرير الأمم المتحدة عام 2008 فإن عدد سكان سوريا (23) مليون نسمة.. أكبر المدن حلب (3.3) مليون نسمة، ثم العاصمة دمشق (3.1) مليون نسمة، ثم مدينة حمص أكثر من مليون نسمة، ثم مدينتا حماة واللاذقية أقل من مليون نسمة، ثم مدن دير الزور والحسكة والرقة أقل من نصف مليون نسمة. داخل الملايين الثلاثة والعشرين يوجد العرب والأكراد والتركمان والشركس والداغستان والشيشان وغيرهم.. ويوجد السُّنة والعلويون والاثنا عشريون والإسماعيليون والدروز والمسيحيون واليهود وغيرهم.
ويعد النسيج العرقى والدينى والثقافى فى سوريا المعاصرة نتاج طبقات حضارية تعاقبت فى البلاد.. من الفينيقيين والآشوريين والآراميين والمصريين والفرس والكلدانيين والمقدونيين.. إلى الرومان والفاتحين المسلمين والصليبيين والأكراد والمغول والعثمانيين والمماليك.. ولا يزال المشهد السورى خليطاً من كل درجات الماضى العتيق والحاضر المباشر.. وفى عام 2013 أدى قيام مواطنين من الطائفة الآشورية – الآرامية بالتلويح بأعلامهما فى إحدى الحفلات الموسيقية إلى إثارة أزمة مع الأجهزة الأمنية.
لقد كان مثيراً لمن تابعوا تلك الواقعة أن يشاهدوا أعلاماً مرفوعة تنتمى إلى الحقبة الآشورية.. ومواطنين معاصرين يتحدثون اللغة الآرامية.. فى القرن الحادى والعشرين!
■ ■ ■
أصيبت جميع الطوائف والأعراق بالقلق الشديد جراء تداعيات الثورة والحرب فى سوريا.. وقد شمل القلق الأغلبية والأقليات على السواء.. حتى لقد طلبت مجموعة من الشركس عبر رسالة جرى توقيعها من قبل (115) شخصية شركسية أن «يعود» جميع الشركس السوريين وعددهم (150) ألفاً إلى روسيا.. وجاء فى الرسالة التى تم توجيهها إلى الرئيس «فلاديمير بوتين».. إنه يتحتم عليه مساعدة الشركس السوريين فى العودة إلى «الوطن الأم» فى روسيا!
وتأتى صعوبة الخريطة الإثنية والدينية فى سوريا من الاشتباك الدينى العرقى.. فالأكراد السوريون هم من حيث الدين والمذهب مسلمون سُنَّة، ولكنهم من حيث العرق ليسوا عرباً.. والتركمان السوريون هم أيضاً مسلمون سُنَّة ولكنهم ليسوا عرباً.
وقد أدّى صعود النزعة العرقية والطائفية فى سوريا إلى إعادة تقديم الشاعر العربى الشهير «نزار قبانى» باعتباره «تركمانياً» وليس عربياً.. على الرغم من صورته المعتادة كشاعر الفصحى والعروبة.. وأحد الوجوه البارزة للفكر الناصرى و«القومية العربية».
■ ■ ■
تتفاوت التقديرات بشأن تعداد كل طائفة وعرق فى سوريا.. ويميل كل طرف إلى المبالغة فى الوزن والعدد.. ولكن المتوسط العام للإحصائيات يشير إلى كوْن المسلمين السنة العرب يشكلِّون أكثر من (70%) من الشعب السورى.. وأن هناك نِسباً متساوية تقريباً بواقع: (8%) الأكراد، (8%) المسيحيون، (8%) العلويون.
يقارب المسلمون السُّنة «عرباً وغير عرب» ثلاثة أرباع السكان، وتصل نسبة المسلمين غير السُّنة من الشيعة والعلويين والدروز والإسماعيلية إلى (16%) من السكان.. ويصل عدد اليهود إلى «الألف» شخص فقط.. يوجدون فى دمشق والقامشلى.
■ ■ ■
كانت حركات الإسلام السياسى حاضرة فى كل ما يجرى فى سوريا.. وتوزعت خريطتها تطرفاً واعتدالاً على النحو النمطى السائد فى الدول الإسلامية.
وقد حظيت جماعة «الإخوان المسلمين» وتنويعات «القاعدة» بالاهتمام الإعلامى الأكبر، وبانشغال الأوساط السياسية الداخلية والخارجية.
فبعد ثلاثين عاماً من حظر جماعة الإخوان المسلمين السورية والحكم بإعدام كل من ينتسب إليها.. عادت الجماعة إلى واجهة الأحداث.. وبَدَا المشهد وكأَنّ الإخوان يستعدون لوراثة حزب البعث فى السلطة.
قبيل اندلاع الثورة السورية كان «على البيانونى» المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين فى سوريا يغادر موقع الرجل الأول فى الجماعة لصالح «محمد رياض الشفقة».
كان ذلك فى أكتوبر 2010 وكان «البيانونى» قد أمضى ثلاث دورات فى رئاسة الجماعة.. ويرى محللون أن «البيانونى» كان أقل تشدداً من المراقب العام الجديد «رياض الشفقة».. وأن التحول كان بمثابة الانتقال من «فريق حلب» الذى أحاط بـ«البيانونى» إلى «صقور حماة» الذين أحاطوا بـ«الشفقة».. ذلك أن ثلاثة حمويين متشددين احتلوا المراكز الثلاثة الرئيسية فى الجماعة: «الشفقة» مراقباً عاماً، و«فاروق طيفور» نائباً، و«محمد حاتم الطبش» رئيساً لمجلس الشورى.
لم يكن للإخوان وجود قوى فى سوريا أثناء الثورة، ولكن الدعم الخارجى، وإصرار الدول المتدخلة بالشأن السورى على وجود الإخوان هو ما أعطاهم المكانة السياسية فى المجلس الوطنى.
■ ■ ■
شهد عام 2013 تحولات تنظيمية فى جماعة الإخوان.. تمثلت فى افتتاح أول مكتب للإخوان المسلمين بحضور رئيس المكتب السياسى «حسان الهاشمى».
كما تمثلت فى إعلان الإخوان عن تأسيس حزب سياسى باسم «الحزب الوطنى للعدالة والدستور – وعد».. وحسب الجماعة فإن حزب «وعد» يضم تيارات مختلفة من بينهم مسيحيون.
وتتوزع التيارات السياسية على قوى رئيسية بواقع الثُلث لكل منها: ثُلث من الإخوان المسلمين وثُلث من الإسلاميين غير الإخوان وثُلث من الليبراليين.
كما جرت عملية «إعادة هيكلة» للجماعة.. حيث تحولّت من آلية «الدوائر» إلى آلية «المكاتب الإدارية».. على النحو الذى كان موجوداً فى مصر. وأصبح هناك نائب واحد للمراقب العام هو «عادل فارس».. ودخل تيار جديد فى المواقع العليا من بين أسمائه «عمر مشوح» المتحدث الرسمى والمسئول الإعلامى.
وقد ثار جدل كبير حول تحوّل آخر فى جماعة الإخوان هو البحث عن جناح عسكرى. وحسب تقرير لمركز «كارنيجى للشرق الأوسط» فى أكتوبر 2013، فإن «كل القوى السياسية ليس لها وجود على الأرض.. وهناك مؤشرات على صلة بين (هيئة دروع الثورة) والإخوان.. ولو نجح الاندماج بين الهيئة وفيها سبعة آلاف مقاتل وبين الجماعة.. سيكون الإخوان هم أول حزب سياسى له ميليشيات عسكرية».
الجزء الثالث.. الأسبوع المقبل بمشيئة الله
حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر
المصدر






