رأي

بسمة القاضى | تكتب : بإنتظار فجر جديد

11173349_1638117133087886_2506930041245168928_n

سرداب الليل الأسود يخيم عليها ، يضيق المكان من حولها ، صوتها يكاد يختنق داخلها ، صوت عقارب الساعة يؤرقها كثيرا ليجعلها متوترة تسكنها حيرة ترشف قهوتها المعتادة ،وعلي ذاك المقعد الأسود تجلس ، تلتقط أنفاس عميقة ثم تغمض عينيها رائحة قهوتها تمتزج مع إحساسها الدفين وفي غرفتها تعجب مستمر !

وبينما هي ترشف فنجان القهوة إذ وبصيص من أحلام اليقظة يطرا عليها التي تتكرر كل يوم وكل ليلة ، وفي تلك الأثناء يهدأ كل شيء حولها ، كلما سمعت عاصفة البرد خارجا إنزعجت لتخرج علي إثرها من غفلتها الميؤوس منها ، فتعاود الجلوس مرة آخري لتضع رأسها وضيعة النوم ..

تسترجع أيام طفولتها البريئة ، شبابها المقيد حريته ، ضحكاتها البائسة العابسة ، ويراودها خوف وقلق دائم ! ..

من نافذة غرفتها تطل علي واقع أليم لا ولم تكن تعرفه رغم مضي سنوات من عمرها ، يتطاير شعرها الخجول ليلامس خديها برفق ليداعبها سكون الليل ليهدأ كل ما بداخلها ..

عصفور رمادي اللون إعتادت أن تراه يغرد بين الأشجار ، لا يبالي بطعامه يملأ الكون سعادة بتغريداته التي تدوي في كل مكان وفي ملامحه إشراقة وحب ، حدثته عن ليل طويل ، غربة بلا إستقرار وتشتت بلا إنتباه لينظر لوجهها العابس وبعينيه كلمات تعني الحياة تحمل معناها نور يضيء الوجود ..

أخذت تحدثه وتحدثه متعجبة لحاله لماذا لا يرد عليها ؟! وتمنت في تلك اللحظة أن يكون إنسان يراودها الحديث ، فكلما نظرت إليه ببراءة تغريده يجيبها دون أن تدرك ذلك ، صندوق يحمل كلمات وكلمات إنه لقلبها المغلق تتراكم عليه أتربة فعل الزمان مجوف بداخله ..

أخذت تلتقط أنفاسها ببطيء شديد وكأن روحها ستحتضر وتغادر جسدها ، عيناها تترقب ذلك الطائر العجيب تريد أن تراه ، أن يسامرها الحديث وتتسائل ما بالدنيا من أفراح لتجعله بكل هذه السعاده ولا يبالي ؟! تريد أن تعرف سر بساطة حريته التي ترفرف بين جناحيه ليعلو ويعلو في سماء شاسعة ؟!

طال حالها هكذا بين الحيرة والإندهاش إذ وبنافذة غرفتها تحدث صوتا من هواء شتاء قارس لتضطرب وتفتح عينيها لتري أنها مازالت بغرفتها وعلي مقعدها تستريح لتتنهد قليلا وتتزايد نبضاتها لتسأل نفسها هل كان هذا حقيقة أم خيال ؟! تعجبت ثم عادت لروتين يومها لتقضيه وسط رفقائها وأسرتها وتركت الأمر جانبا ، وبين كل حين وحين تتذكر ما حدث لها ليلة البارحة ..

وفي الليلة الثانية وفي حجرتها الداكنة وسط ظلام دامس وحالها الذي لم يتغير منذ فترة بعيدة ومع عادتها المتكررة ومذاق قهوتها المرة كمرارة أيامها الروتينية تستغرق في نومها لتري ولمرة ثانية نفس ما رأته وذلك الطائر الجميل وذوبعة الحيرة تتجول داخلها ، ولكن حب إستطلاعها جعلها تتمني لو أن هذا الطائر يتحدث إليها ليخرج ما بجعبتها ويريح نفسها المغلقة كثيرا ، فلم تجد جدوي فتيأس لتعود لعالم غريب به ألغاز تحير العقول والذي أنهكها سلسلة من تفكير عميق وطويل وشاق ..

إذ ونور الشمس يتخلل النافذة ليرتطم بعينيها المرهقة البائسة الحائرة لتستيقظ من نوم عميق كأن مر عليها سنوات وسنوات في ليال طوال وسط غربة الليل ووحشية ظلامه ..

في كل يوم ومع بداية صباح جديد لا زالت تسأل نفسها عن سر ما رأته والذي اعتادت أن يشعرها بالطمأنينة قليلأ ، وذات يوم ذهبت كي تخلد للنوم منتظرة ذلك الطائر والذي أصبح المنفذ الوحيد لإطلاق عنان سعادتها وبعد أن استيقظت تطلعت إلي المرأة لتري نفسها ينقصها شيء غامض ! فتذكرت أنه الطائر فغلب عليها الضيق الشديد ، وظلت تنتظره كل ليلة ولكنها لن تراه !!

فأصبحت أمنيتها هي أن تراه ، أن تري ما يشعرها بالسعادة والطمأنينة وظلت بإنتظار فجر جديد ، ودون أن تدري استطاعت تلك الصورة داخلها والتي كانت تحسبها طائر سعيد أن يكون منفذا حقيقا لأمنيات لاشعورها الخفي ..

” وأنت ايضا أيها القاريء قد تستغرق أعوام وأعوام تعبث في نفسك لتظهر الجميل فيك وهو داخلك وأنت لا تدري .

المصدر | الشرقية توداى

زر الذهاب إلى الأعلى