أعمدة

طارق الشناوي | يكتب : بسمة وخالد أبوالنجا يدفعان ثمن مواقفهما السياسية

طارق الشناوي

ستنتهى خلال ساعات أو أيام على أكثر تقدير تلك الزوبعة التى أثيرت عبر ((الميديا)) ضد بسمة وخالد أبوالنجا، وتتهمهما عنوة بالتطبيع مع الكيان الإسرائيلى لمشاركتهما فى بطولة المسلسل الأمريكى ((الطاغية))، ولكن سيظل الأمر على ما هو عليه، فهما فى مصر خارج نطاق الخريطة الفنية، هناك ولا شك قرار بالتضييق عليهما، وهو بالطبع لم تُصدره أى جهة رسمية أو غير رسمية فى مصر، حيث يتم استبعادهما ومعهما أيضا عمرو واكد. أى نجم لديه وجهة نظر لا أقول فقط غير متوافقة مع النظام ولكن حتى لو كانت غير متطابقة مع السلطة السياسية- يصبح مكروها شرعا، وكثيرا ما نجد الإعلام وقد وضع أصحابها فى قائمة الأعداء، وشركات الإنتاج تعتبرهم فألاً سيئاً، لأن هذا سيصبح عائقاً للتسويق، والدليل مسلسل ((أهل إسكندرية)) الذى تراجعت كل الفضائيات عن عرضه فى اللحظات الأخيرة، لأن بطليه بسمة وعمرو واكد وكاتبه بلال فضل، فيصبح استبعاده فرض عين، ولا يتم الاكتفاء بهذا القدر، ولكن الخطة رقم 2 هى تصديق ثم ترويج عدد من الأخبار متعلقة بتواجدهم فى أمريكا، وتصوير مسلسل أو فيلم هناك يعد فى نظر الإعلام الموالى للدولة بيعا مباشرا للقضية، ومن المؤكد ستظهر على الفور وكالعادة أصابع إسرائيلية تؤكد واقعة التطبيع، ولو جرؤ فنان أن يقول رأيا مخالفا فعليه أن يأخذ عبرة ممن سبقوه.

الغريب فى الأمر أن بسمة حريصة فى كل أحاديثها خلال العام الأخير على أن تتجنب إبداء رأيها السياسى حتى لا يساء التفسير، ولا تجيب سوى فقط عن الأسئلة الفنية، إلا أنهم أشاروا إلى جدها يوسف درويش، المصرى اليهودى، والحقيقة التى لا يتم ذكرها كثيرا هى أنه أشهر إسلامه، ورغم ذلك فلو نحينا، جانباً، إسلامه فإن مصريته لم تكن محل شك ومواقفه الوطنية فى معاركنا ضد الكيان الصهيونى موثقة، فلقد رفض ليس فقط الهجرة لإسرائيل، ولكنه كان دائماً على الضفة المصرية. كثيرا ما يشهرون ورقة يهودية الجد، فى محاولة للهجوم الضارى على بسمة التى أكدت أنها لم ولن تشارك فى أى عمل فنى إسرائيلى، ورغم ذلك فإن المقصود وعلى طريقة ((الكلام لك يا جارة)) هو عقابها لأن زوجها د. عمرو حمزاوى لديه آراء لا تتسق مع النظام، فلا بأس من التعتيم على بسمة فنيا وإعلاميا ثم التشهير بها عندما تحين الفرصة.

السفارة الإسرائيلية فى مصر، كعادتها، تريد أن تستغل أى حدث لصالحها، وهكذا أشارت على صفحتها إلى أن المسلسل الأمريكى ((الطاغية)) إسرائيلى، ولا أدرى كيف؟ وأضافوا أن مشاركة بسمة وخالد أبوالنجا فى البطولة تعنى بداية لتمهيد التطبيع مع إسرائيل، نفت بسمة أساسا أن المؤلف إسرائيلى أو المخرج أو الإنتاج فما هى المشكلة إذن؟ وأرسلت هى وخالد أبوالنجا أوراق التعاقد للنقيب أشرف زكى التى تؤكد ذلك.

وتبقى قضية مشاركة ممثل مصرى فى عمل مع ممثل إسرائيلى؟ ربما نجد بين الفريق المشارك فى المسلسل الأمريكى ((الطاغية))، من يحمل الجنسية الإسرائيلية خلف أو أمام الكاميرا، فكيف نتعامل مع الموقف، سبق أن شارك خالد النبوى قبل 6 سنوات فى الفيلم الأمريكى ((اللعبة العادلة)) الذى عرض رسميا فى مهرجان ((كان)) وشاركت فى بطولته الإسرائيلية ليراز شارهى، التى قالت إن ممثلاً مصرياً آخر رُشح للدور ولكنه خاف من اتهامه بالتطبيع فتراجع فتم إسناد الدور إلى خالد النبوى، وبالمناسبة كان النقيب وقتها أيضا هو أشرف زكى، ولا أتصور أن هناك أى إجراء تم اتخاذه ضد النبوى، وهو ما تكرر مع عمرو واكد فى مسلسل ((صدام))، حيث أكد كل منهما أنه غير معنى بالبحث عن جواز سفر المشاركين معه فى العمل الفنى.

المرفوض هو التطبيع الثقافى مع إسرائيل الذى يعنى أن تعرض فيلما أو أغنية إسرائيلية فى أى تظاهرة ثقافية أو فنية بمصر، أو تشارك فيها، أو تسافر إلى إسرائيل، أو تساهم فى عمل فنى محمل فكرياً بأهداف ضد القضية العربية.

فى مهرجان القاهرة الماضى أثيرت تلك القضية بسبب الفيلم الجزائرى ((مدام كوراج)) للمخرج مرزاق علواش، الذى عرض فى مهرجان ((حيفا))، ثم شارك بالقاهرة. الأمر لا يدخل أبدا تحت طائلة التطبيع، عدد من أفلام يوسف شاهين التى شاركت فى تمويلها شركات فرنسية عُرضت فى مهرجانات أو عروض تجارية فى إسرائيل مثل «إسكندرية كمان وكمان». كما أن كل أفلامنا المصرية متواجدة فى التليفزيون الإسرائيلى، حيث إنه طوال تاريخ السينما المصرية ومنذ نهاية الأربعينيات تحديدا، دأب موزع الفيلم الأردنى على شراء نسختين واحدة لسكان الضفة الغربية والثانية يتم بيعها سراً للتليفزيون الإسرائيلى.

إلا أن الأمور ليست كلها على هذا النحو، أغلب أغانينا يتم بثها فى الإذاعة والتليفزيون الإسرائيلى، ونحن نحصل على أداء علنى من جمعية المؤلفين والملحنين ومقرها الأم فى باريس، نعم لا توجد علاقة مباشرة بين الجمعية المصرية فى القاهرة والجمعية الإسرائيلية فى تل أبيب، ولكن هذا لا يعنى أننا لا نحصل على حقوق الشعراء والملحنين مقابل بثها فى إسرائيل، هذا القرار يعود إلى منتصف الستينيات، أى أنه فى زمن جمال عبدالناصر وليس زمن أنور السادات، كما قد يتبادر إلى ذهن حضراتكم، ومن الواضح أنه كان قرارا سريا، لم يجرؤ أحد على إعلانه وقتها.

السادات على العكس كان يريد العلانية وكان يفكر جدياً فى كسر كل مشاعر الرفض لكل ما هو إسرائيلى بعد عقد اتفاقية «كامب ديفيد» بل تم تقديم أغان لجس النبض والدعوة لتقبل الصلح مثل ((يا عبد الله ياخويا سماح)) لمحمد رشدى وتلحين بليغ حمدى، الملحن الأقرب لأنور السادات، ولكن هذه قصة أخرى.

فى مهرجان ((كان)) الأخير شارك فيلم ((اشتباك)) فى قسم ((نظرة ما)) متنافساً فى نفس المسابقة مع فيلمين إسرائيليين، ولا يمكن أن نطلب من السينمائى المصرى الانسحاب، وفى عام 2009 شارك الفيلم المصرى ((المسافر)) الذى أنتجته وزارة الثقافة رسميا فى مهرجان ((فينسيا)) وكان لإسرائيل فيلم فى المسابقة، وأمس كان المصرى الشهابى يتحدى الإسرائيلى أور فى ريودى جانيرو فى لعبة ((الجودو)).

الأمر أراه أبعد بكثير من مسلسل ((الطاغية))، والقضية تحتاج من النقابات الفنية فى مصر والعالم العربى إلى تقنين محدد لمفهوم كلمة التطبيع، ووضع المعايير الملزمة حتى لا تتناثر الاتهامات هنا أو هناك، الأمر الثانى هو التصدى لتلك القرارات التى تُطبق فى العادة بدون إعلان وتدعو للتعتيم على أى فنان لديه رأى غير متوافق مع السلطة السياسية. لا تخلطوا الأوراق، فلا يمكن لمن يختلف سياسياً يصبح فجأة مطبِّعاً وعميلاً ويحمل ختم إسرائيل!!

 

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى