أعمدة

أحمد المسلماني | يكتب : قصّة سدّين

احمد-المسلماني

هى «قصة مدينتيْن» و«قصة سدّين».. قصة الموصل ونيويورك.. وقصة «سدّ الموصل» و«سدّ نيويورك».. أو هى «قصة ما قبل الحداثة» و«ما بعدها».

(1)

تحدثت الصحافة الأمريكية الأيام الفائتة عن محاكمة قراصنة إيرانيين تمكنّوا من اختراق قاعدة بيانات سدّ نيويورك.

تبدأ القصة بنجاح قراصنة أمريكيين فى اختراق البرنامج النووى الإيرانى، وتمكنِّهم من إدخال «فيروس» فى إحدى المنشآت النووية الإيرانية.

تتواصل القصة بتمكّن قراصنة إيرانيين من اختراق قاعدة بيانات السدود الأمريكية.. ومن بينها سدّ نيويورك.

تقول صحيفة «وول ستريت جورنال»: لقد تمكّن القراصنة الإيرانيون من تهديد أمن وسلامة السّدود الأمريكية.. رغم أن السدود تقع تحت سيطرة مهندسى الجيش الأمريكى.

وقد عبّر عدد من الخبراء عن قلقهم الشديد.. من اختراق بيانات المؤسسات الكبرى فى البلاد.. ذلك أن الكهرباء والسدود والجسور والمصانع وخطوط النفط.. كلها ذات قواعد معلومات يمكن اختراقها ثم توجيهها.. أو تدميرها بالطريقة ذاتها من القرصنة. وحسب تعبير أحدهم.. فإنه «يمكن بكبسة زرّ واحدة إلحاق خطر فادح بالأمن القومى للبلاد».

(2)

اعترف وزير الدفاع الأمريكى بتمكّن القراصنة من اختراق قواعد بيانات خطيرة فى السنوات الأخيرة.. وحين جرى اختراق قاعدة بيانات «سدّ نيويورك».. قالت محطة سى إن إن: كان يمكن للقراصنة إغراق أمريكا!

(3)

فى الجانب الآخر.. تتحدث صحف عالمية عن احتمالات انهيار سدّ الموصل وغرق العراق. وفى مارس 2016 تحدث اجتماع أمريكى مهم عن جديّة ذلك الاحتمال.. ذلك أن السدّ تم بناؤه فى منطقة رخوة، ثم إنها تشهد نشاطاً زلزالياً.. وحين استولت «داعش» على السد تم وقف الصيانة.. وهرب المهندسون والعمال!

(4)

إن سدّ الموصل هو رابع أكبر سدّ فى الشرق الأوسط.. ويسَع خزّان السدّ (12) مليار متر مكعب مياه. ويعانى السدّ منذ بنائه فى عهد الرئيس صدام حسين فى الثمانينات من عيوبٍ هيكليّة.. وقد أصبح وضْع السدّ أسوأ حالاً.. بعد تدهور الوضع الأمنى فى الموصل.. وبات الحديث عن كارثة وشيكة موضع أبحاث جادة فى جامعة الموصل وخارجها.

(5)

يتحدث الخبراء عن اندفاع المياه بسرعة (4) كم فى الثانية.. ولمسافة تصل إلى (500) كم.. وبارتفاع يصل إلى (20) متراً فى الموصل.. ثم أربعة أمتار فى بغداد.

ويتحدثون -أيضاً- عن احتمالات مقتل وتشريد (2) مليون شخص، ويتحدث خبراء روس عن مقتل وتشريد (10) ملايين شخص!

(6)

ثمّة فارق رئيسى بين السدّين.. يعيش سدّ الموصل فى مرحلة ما قبل الحداثة.. حيث لا يوجد مهندسون ولا فنيون.. وحيث ظلال «داعش» تجثم على المكان..ويعيش سدّ نيويورك فى مرحلة ما بعد الحداثة.. حيث كل إدارة السدّ وكل إدارات المؤسسات الاستراتيجية.. قد تجاوزت الحداثة إلى ما بعدها.. أصبح بالإمكان اختراق سدّ الموصل.. لتآكل السد وضعف المستوى وشبح اللاأمن.. وأصبح بالإمكان اختراق سد نيويورك.. لرفعة المستوى.. وتجاوز القدرات مما جعله عرضةً للاختراق.

فى الموصل.. أزمة الفشل الشديد.. وفى نيويورك أزمة التقدم الشديد. لكن المثير حقاً.. هو كيف أصبحت نيويورك القادمة من اللاشىء.. عند هذا المستوى، وكيف أصبحت الموصل القادمة من كل شىء عند هذا المستوى؟

إنها فلسفة التاريخ.. أو هى قصة سدّين.. فى مدينتيْن.. فى عصريْن.

حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر

المصدر

زر الذهاب إلى الأعلى