أعمدةمقالات

عمرو خفاجى | يكتب : القاهرة ــ واشنطن وبالعكس

عمرو خفاجى

لم يختلف موقف الولايات المتحدة الأمريكية من المساعدات التى تقدمها لمصر، عن المواقف التى تنتجها مواقف إدارة الرئيس باراك أوباما، مواقف مرتبكة متراجعة غير محددة، ويكفى أن نشير إلى موقفها، على المستوى الدولى، من الأزمة السورية، الذى صعد وهبط عشرات المرات فى أقل من أسبوعين وانتهى بقرار غير حاسم حتى هذه اللحظة، وتقريبا تركت الولايات المتحدة الباب مفتوحا وفقا لسير الأحداث، بعدما كانت ستشن حربا على بشار الأسد بمساعدة الحلفاء الأوروبيين، الذين تراجعوا واحدا وراء الآخر من السير وراء القرار الأمريكى، وعلى المستوى الداخلى، لا تزال الأزمة قائمة بين البيت الأبيض والكونجرس، وتعطلت الموازنة العامة، وحتى الآن لم يجد أوباما مخرجا للأزمة مع الجمهوريين فيما يتعلق بالديون وبالرعاية الصحية، وقد وصف الرئيس الأمريكى رفض الكونجرس لتعلية أسقف الديون بالقنبلة النووية التى ستلقى على بلاده.

ومع ذلك لم يحسم موقفه حتى الآن، وهذا بالضبط ما تفعله أمريكا مع قضية المساعدات لمصر، من تصريحات الوقف الكامل للمساعدات، ثم الوقف الجزئى، مرورا بتعطيل بعضها، انتهاء بتأجيل المساعدات لحين وجود حكومة منتخبة، فيما قال وزير الدفاع هاجل لنظيره المصرى أن المساعدات مستمرة، ثم أعلنت الخارجية الأمريكية، فى بيان طويل نسبيا، نوع المساعدات التى ستتعطل قليلا، وحددتها ببعض انواع الطائرات والدبابات، مع التأكيد على استمرار جميع المساعدات المهمة للشعب المصرى، ولمكافحة الإرهاب فى سيناء.

هذا الارتباك فى الموقف الأمريكى، قابله وضوح وتحديد فى الموقف الرسمى المصرى، حيث أعلنت الخارجية المصرية رفضها القاطع لهذا الموقف، فيما خرجت معظم مجموعات الرأى العام، تطالب صراحة برفض المعونة كلها، باعتبار أن الموقف الأمريكى، يأتى فى سياق انتقامى للإدارة الجديدة فى البلاد، والتى فعلت ذلك بعيدا عن واشنطن، وهو الأمر الذى كشفه عدد لا بأس به من كبار المحللين الأمريكيين المهتمين بالشأن المصرى. فيما يرى الغالبية من الساسة، أن المعونة ليست بالشأن الاقتصادى الهام، ربما كانت الأرقام قبل ثلاثين عاما ذات قيمة، لكن الأكيد أن مبلغ ربع مليار دولار كمعونة اقتصادية لا يمثل شيئا بالنسبة لحجم الموازنة المصرية، كما أن المساعدات العسكرية التى تبلغ قيمتها 1.3 مليار دولار تأتى من واشنطن للقاهرة ورقيا لكنها تعود لواشنطن مرة أخرى لمصانع السلاح ولجهات التدريب، إلى جانب أن الرقم فى حد ذاته غير مؤثر فى أحجام اقتصاديات المؤسسة العسكرية المصرية.

ورغم كل ذلك، تبقى الدلالة السياسة واضحة، بأن الولايات المتحدة الأمريكية منزعجة من التغيرات السياسية التى شهدتها مصر منذ الثلاثين من يونيو الماضى، وفى مقدمة هذه الانزعاجات، اتخاذ قرار مصرى بعيدا عن البيت الأبيض، وهذا يدفعنا بالضرورة إلى مراجعة سياساتنا الخارجية من وجهة نظر مصالحنا، دون الاندفاع فى اتخاذ مواقف عنيفة حتى ضد الولايات المتحدة، فالأكيد أنها القوى العظمى الأولى فى العالم، والأكيد أن أنها ستتراجع قريبا عن مواقفها الأخيرة، لكن علينا أيضا أن نكون حاضرين فى المشهد الدولى، كقوة إقليمية مستقلة، لا تابعة خاضعة، قوة تبنى مواقفها بناء على مصالح مواطنيها الآنية والمستقبلية.

المصدر 

زر الذهاب إلى الأعلى