مقالات القراء | محمود سعيد يكتب : كابوس الثورة الحلم
أطفال مرضي بأعداد كبيرة، سرطان ، فشل كلوي، مرضي من جميع المراحل السنية، مرضي ينقلهم ذويهم من قراهم في سيارات نصف نقل متهالكة إلى مستشفي حكومى قذر يتراص فيه المرضي وذويهم على الأرض، مدارس بلا مدرسين، بلا مقاعد، بلا عِلم، شوارع غير ممهدة، عشوائيات بلا مرافق، عشوائيات يسكنها بشر فى عشش من صفيح، أطفال بلا مأوى، فقر فى الشوارع، فقر فى البيوت.
قمع ، مصادرة للحريات، إعتقالات وتضييقات لكل ملتحي و ملتزمة، إعتقالات من داخل المساجد، تفجيرات للكنائس، فساد مستشري في كل القطاعات، عمليات نهب ممنهج، وساطة ، تلفيقات ، تضليل، غذاء مسرطن، كل الأجواء كانت دوماً تنذر بثورة، تنذر بإنفجار، لكن الشعب البسيط (المهاود) لم يكن يثور أبداً.
عائل الأسرة البسيط يضع راتبه البسيط على راتب الزوجة البسيط ليوفروا أقل فرص الحياة لأنفسهم ولأبنائهم، كحك العيد رفاهية، اللحم في المواسم، الملابس الجديدة مرة فى العام مع بداية الدراسة، وعند المرفهين (طقم) صيفي وآخر شتوي، مواصلات غير آدمية يلتصق فيها الرجال بالنساء بالأطفال، لا مجال هنا لما يسمى “كرامة”، الخبز بالزلط، سلع تموينية غير صالحة لإستخدامات البشر، أو من كانوا بشرا، معاناة صباح مساء، كل يوم يضطر الفرد للسحب من رصيد كرامته لإستمرار حياته المأساوية تلك ليوم آخر، أما المحظوظين أبناء المحظوظين فينالون عقد عمل بدولة من دول الخليج، حيث يبيعون كرامتهم هناك بعيداً عن أعين الأهل والجيران، كل المؤشرات تثبت فساد النظام، نظام فاسد، سارق، مغتصب، واجب خلعه، وبينما الجميع يتوقع الإنفجار، كان الواقع دائماً .. لا إنفجار، لا ثورة.
وتكبر الأجيال الجديدة ويصيرون شباباً، يحاولون بدء حياتهم البسيطة كحياة آبائهم وأمهاتهم، تلك التي تربوا عليها وصارت طبيعية بالنسبة لأغلبهم، بل وصاروا يعتبرون إنتقادها بطر، فيفاجئوا بالحقيقة، لا عمل، لا زواج، لا وجود حتى لفرصة تخلق تلك الحياة المأساوية التي صارت آخر أحلامهم.
حالة الغليان تزيد، إضرابات للعمال إحتجاجاً على سياسة الإمتصاص التي يتبعها معهم رجال الأعمال، مظاهرات للطلبة، مطالبات بالتغيير ، وفجأة تقوم الثورة الحلم، الثورة التي كان الجميع يتوقعها من عشرات السنين، ثار الشباب، ثار المظلومون والمضطهدون، ثار الشعب وخلع النظام الفاسد الجاثم على قلب الوطن من سنوات عديدة.. سقط النظام..
ومع سقوط النظام حدثت إنفراجة في الحريات، فجوة بسيطة عبر منها الضوء والهواء لأول مرة لعيون وصدور البسطاء المفطومين ذلا، كان الهواء النقي غريبا، والضوء شيئ جديد، إستقبل الأحرار النور بفرحة، بسعادة غامرة ونشوة إنتصار لا يساويها نشوة، واستقبل من نفذ لديهم رصيد الكرامة النور بالذعر، بالسباب للنور، وللهواء، ولـ(طاقة) الحرية ومن صنعها، بالخوف من المجهول، ومنهم من تمنى عودة نفس النظام الفاسد، تمني ذلك وسعى إليه، عابوا على الأحرار حريتهم، وعلى الثوار ثورتهم، ألا فلا نامت أعين الجبناء.
ربنا إجعل عملنا كله خالصاً لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحدٍ غيرك فيه شيئ.
وتبقين يا بلادي في دمي
بقلم : محمود سعيد
(( جميع ما ينشر على الموقع من مقالات القراء تعبر عن رأي صاحبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع ))






