أعمدة

عمر طاهر | يكتب : مع برما فى سينما جالاكسى

عمر طاهر

كنا نجلس أنا وبرما داخل قاعة السينما فى انتظار أن يبدأ فيلم الرعب الأمريكى، قال برما: أتمنى أن يكون فيلمًا جيدًا وأن ننجو من مصير فؤاد حداد عندما قال بأسى (سهرتنا ضاعت.. على بضاعة.. الأمريكان)، فهذا فى حد ذاته أمر مرعب، أن تدور على الفاضى فى فلك الإثارة دون أية نشوة حقيقية.

سألته عن أكثر ما يرعبه فى حياته، فقال: يرعبنى أن يأتى يومٌ لا أستطيع أن أفتح فيه النافذة ليدخل ضوء الشمس، يرعبنى أن يدخل العالم فى منحنى يصبح فتح النافذة فيه مخاطرة حقيقية، أن نصل إلى اليوم الذى تكون فيه النجاة مرتبطة بقدرتك على الاختباء، خُلِق الإنسان حرًّا، لكن العالم يفرض عليه طريقة للحياة، لا يملك الواحد رفاهية أن يقاومها، ينسحق أمامها ومع كل خطوة يفقد قطعة من فطرته، يومًا ما ستختفى الفطرة تمامًا وستتمنى لو أنك تعيش فى فاترينة أجهزة تليفونات محمولة ذكية.

تتنازل عن حريتك وتعتقد زورًا أنك توسع دائرتها، تعتقد أنك حر فيما تكتبه على فيسبوك لكنك فى الحقيقة عبد لـ”فيسبوك”، تعتقد أنك حر فى التوقف أمام محطة التليفزيون التى تعجبك فى أى وقت لأى وقت لكنك فى الحقيقة عبد لـ(الريموت كنترول)، تعتقد أنك تتحرك بحرية تامة لكن الحقيقة أن العالم جعل حدود حركتك الحرة دائرة مغلقة، ستستيقظ يومًا تسأل نفسك (أنا عايز إيه؟)، ستكون على باب العودة إلى الفطرة عندما تؤمن أن (كل اللى إنت عايزه) أن يتركك العالم فى حالك.

أخاف أن أختبئ.

قلت لبرما: وكيف تتقى شر لحظة عدم قدرتك على فتح النافذة؟

قال برما: بالمشى، لا بد أن تمشى كثيرًا، دون هدف، دون أن تمتلك محطة ينتهى عندها المشى، ضع قدميك على الطريق وانطلق، مع كل خطوات تقطعها يُمحى تلقائيًّا حرف من صك عبوديتك، عندما تمشى تمشى إلى جوارك الأفكار العظيمة التى تحملها روحك، تتنفس هواءً غير سابق التجهيز، تتولد كهرباء تعالج أمراضك النفسية تمامًا مثلما تفعل جلسات الكهرباء فى المصحات النفسية لكن الكهرباء هذه المرة طيبة، بينك وبين نسختك الأولى كإنسان ملايين السنوات، كل مرة تمشى تحرق مسافة جديدة بينكما، استمر فى المشى حتى تصل إليه.

قلت لبرما: وكيف أعرف أننى قد وصلت إليه؟

قال برما: عندما تعرف بالضبط ما الخطأ الأساسى فى تجربة حياتك، عندما تمسك بالثغرة التى يتسلل منها كل ما يتعسك، ستراها فجأة واضحة أمامك، وستعرف وقتها أنك وصلت إليه.

هناك كثيرون يعيشون حياتهم بتقنية الـ”Gif”.. تقنية المشهد الذى يعيد نفسه.

ولن ينجو أحد من هذا المصير إلا بالمشى.. المشى كثيرًا حتى لا يعيد المشهد نفسه.

قلت لبرما: كنت أعتقد أنك تخاف من الموت مثلاً، لكن موضوع النافذة فاجأنى.

قال برما: أقول لنفسى دائمًا الحمد لله أن (البقاء لله)، هو معنا أينما كنا، بما يعنى أننا معه، وهو باقٍ، إذن فكلنا باقون، فيما عدا ذلك هى أشكال وتجليات، فى كل شكل تجربة، الجنين, الحياة, الموت، ولا أحد يستطيع أن يزعم أن هناك تجربة أحلى من الأخرى، الممتع حقًّا كما يقول أحد الأكابر أنك خرجت من العدم.

قلت لبرما: ألا تخاف من الفشل مثلاً؟

قال: كل شىء فى العالم نسبى، لقد فشلت فيما نجح فيه بواب عمارتى وهو امتلاك جرأة إشعال النار فى بعض الأخشاب فى (قروانة أسمنت) بعد منتصف الليل أمام العمارة يتدفَّأ ويصنع الشاى بالنعناع، نجاح ذكر النحل فى تخصيب الملكة هو فشل فى القدرة على مواصلة الحياة بينما الفشل فى الفوز بهذا اللقاء الممتع الشهىِّ هو نجاح كبير.

كل فترة أتوقف لفحص ما أجيده، هو كثير جدًّا بالمناسبة، النجاح يكمن فقط فى أن أُحسن الاختيار، ما قيمة أن تجيد شيئًا لا يفيد؟ يفشل الواحد عادة لأنه لم يحسن اختيار مهارة تناسب ظروفه وطبيعته.

قلت لبرما: أعجبنى السؤال.. ما قيمة أن تجيد شيئًا لا يفيد؟

قال: بمناسبة أنك كاتب، هناك كتاب كثيرون يكتبون كتابة حلوة لكنها لا تُفضى إلى شىء، هناك كتابة حلوة لا يريد منها الكاتب شيئًا سوى أن يشير باتجاه نفسه، تشعر أنه يقول لك فى كل سطر (شوفت دى؟)، عادة من يخلص لمهارة الكتابة فقط لن يكتشف شيئًا مهمًّا، لكن من يخلص لمهارة اكتشاف الحياة من المؤكد أنه سيصبح كاتبًا جيدًا.

قلت لبرما: يقول ماركيز.. أكتُب ليحبنى أصدقائى!

قال: يقع الأصدقاء فى غرامك أكثر كلما زادت مساحة اكتشافهم للحياة معك.

كان الفيلم على وشك أن يبدأ، مع التترات غاص برما فى المقعد، ثم التفت إلىَّ قائلًا: وأنت! ما الذى يخيفك؟

قلت له: أن تختبئ يا برما.. أن تختبئ.

المصدر

زر الذهاب إلى الأعلى