محمد المنسي قنديل | يكتب : أمنية.. في خمس دقائق
رغم أنني كنت أداوم على الاعتذار عن الظهور التليفزيوني في الآونة الأخيرة، وشعوري أنه ليس لدي جديد أقوله، فأنا في الأساس كاتب، والصمت جزء أساسي من مهنتي، علي أن أجلس وحدي وأتعامل مع الأدوات التي تساعدني على التعبير، قديمًا كانت الورقة والقلم، والآن جهاز “اللاب توب” الصغير، أحيانا لا أجرؤ حتى على الحديث مع نفسي، لأن هناك شخصيات أخرى تحيط بي، تتحدث خلال صمتي، اكتشفت أنني دون أن أدري قد تحدثت كثيرا وكتبت قليلا، انسقت إلى برامج وندوات ولقاءات صحفية أكلت الكثير من مساحة الصمت التي أحتاج إليها، أهدرت سر مهنة الكتابة التي يجب أن أتحلى بها حتى لا أستنزف ما بقي من عمري في الثرثرة، أحسست أنها نوع من الإدمان يكلفني الكثير من الوقت والجهد ويعجزني عن الكتابة…
رغم هذه المحاذير فقد أتيح لي مؤخرًا فترة لمدة خمس دقائق على شاشة التليفزيون، اعتقدت أنها أمر هين وستمر سريعًا، ولكن من أجل هذه الدقائق جاء طاقم مكون من خمسة أفراد ورابطوا داخل بيتي لمدة ساعتين، وانتظروا قبلها لمدة ساعة أمام البيت، كانوا لطفاء ومؤدبين، حرصوا على التدخين في الشرفة، وحركوا قليلا من الأثاث دون أن يحدثوا ضجة، وأغلقوا كل الستائر ثم سلطوا أضواءهم الساطعة، كان أمامي فقط خمس دقائق على الهواء أقول فيها كل ما أريد، وعلى الطرف الآخر في الاستوديو كانت هناك مذيعة جميلة تمنيت لو كانت حاضرة، وكان عليّ أن أتحدث بسرعة وبذهن صافٍ رغم ضغط الوقت، أحسست فجأة أنني بحاجة إلى الكلام، لساعة على الأقل، نسيت محاذير الصمت التي أخذتها على نفسي، لكني لم أستطع إلا أن أقول بعضًا من الذي كان يجول بخاطري، كنت حريصًا على مناشدة رئيس الجمهورية، ومن غيره في مصر يمكن أن نناشده؟ مَن غيره يستطيع أن ينقذنا من ذلك المشهد المخزي الذي رأيناه جميعًا، مشهد “إسلام البحيري” المفكر الديني وهو يرتدي حلة السجن الزرقاء، بينما تسوقه الشرطة لقضاء العقوبة التي فرضها عليه القضاء، لقد شعرت مثل غيري بالعار وأنا أرى مصر كلها تدخل خلفه نفقًا مظلمًا تضيع فيه حرية الرأي.
مصر المتحضرة التي كانت دائمًا ساحة لحرية الرأي ولتلاقي الأفكار، الموطن الذي يهاجر إليه المفكرون العرب الأحرار بحثًا عن هواء خال من القمع، كانت حرية العقل هي مكسبنا من نضال النديم ومحمد عبده وطه حسين، وطابور طويل من رجالات الفكر الحر في مصر، الآن يرضخ القضاء المصري لضغوط المؤسسة الدينية ولصرخات المتعصبين ويفرض حكما صارخا لا يستند إلى عقل أو منطق ويحكم بالسجن على مفكر لمجرد أنه فكر واجتهد، البحيري لم يقترب من القرآن، لم يحاول أن يفسره أو يؤوِّله، أو أن يلوي أعناق آياته كما فعل الكثيرون، كان أول ما يدرك أنه تنزيل من العزيز الحكيم، ولكنه ناقش الكثير من الأحكام الثانوية، وناقش على وجه خاص كتاب البخاري، الكتاب الأشهر الذي يحتوي على الأحاديث التي جمعها الإمام المحدث بعد موت الرسول الكريم بأكثر من 200 عام، ناقش فعلا بشريا محضا، ومهما كان الجدل الفكري الذي أثاره البحيري فيكفيه فخرًا أنه ناقش أكبر الأحاديث إثارة للحيرة والصدمة في هذا الكتاب، وهي التي تتعلق بزواج النبي عليه السلام بالسيدة عائشة.
لقد استطاع البحيري باستخدام المنطق التاريخي أن ينفي الصورة القديمة والمغلوطة عن هذا الزواج، فالحديث الذي ذكر في البخاري عن أن السيدة عائشة كانت مجرد طفلة تلعب عندما أخذوها ونفضوا التراب عن حجرها ثم ساقوها لتكون زوجة للرسول، قصة كانت دائما تمثل الحلقة الأضعف في السيرة النبوية، وكانت محل انتقاد المستشرقين ومثارًا لاتهامات النبي الكريم بالزواج من فتاة قاصرة، ورغم ذلك فقد كان معظم رجال الدين يرددونها كالببغاوات، دون تفكير ودون اجتهاد لمقارنتها بالروايات التاريخية المختلفة، لا لشيء إلا لمجرد أنها موجودة في البخاري، وجاء إسلام البحيري بمنطقه الفكري المقنع وأعاد حساب السنوات، وقارنها بروايات وأحاديث أخرى، وأهمها أنه قارن بين عمرها وعمر شقيقتها أسماء بنت أبي بكر في وقت الهجرة، وخلص في النهاية إلى أن عمر السيدة عائشة كان وقت الزواج لا يقل عن 18 عاما، سن البلوغ، السن المنطقية لزواج أي فتاة، لم تعد هناك حاجة للدفاع أو التبرير أو محاولة التعلل بالنضوج المبكر، زواج منطقي بين رسول كريم وابنة صديقه وصفيّه، كان علينا أن نحني رأسنا احترامًا لهذا المفكر الذي اجتهد لينزع عن نبينا هذه التهمة الخطيرة، لم يَزْدَرِه ولكن زاده تكريمًا واحترامًا، وبدلا من ذلك أخذ الشيوخ التقليديون في مهاجمته، تمسكوا بالنص القديم وصمّوا آذانهم عن صوت العقل وألصقوا بغبائهم تهمة كاذبة بالنبي الكريم، من منهما كان يزدري الدين، المفكر الذي اجتهد، أم هؤلاء الشيوخ بأفكارهم البالية وعجزهم عن مقارعة النص القديم؟!
كان “إسلام البحيري” هو الوحيد الذي استجاب لدعوات الإصلاح الديني، بينما ظلت المؤسسة الدينية بكل ما فيها من أدمغة تحاصرها العمائم على صمتها وجمودها، تستغل المنافذ الإعلامية لبث أكثر الأفكار تخلفًا، وتستحلب ما فيها من أموال.
ما حدث للبحيري هو عنوان لمرحلة قاتمة تفتح فيها السجون أبوابها لتستقبل ضحايا حرية الرأي، ذلك الهياج العصبي من حفنة من المتشددين، لا أظن أن الرئيس يرضى به، لا أظنه يريد أن يَسِمَ عهده بحصار حرية الرأي، ولا يرضى بما تقوله بعض تقارير حقوق الإنسان من أن هذا هو أسوأ عهد شهدته مصر في قمع الرأي، علينا أن نثبت لهم جميعًا أن هذا ليس صحيحًا، ربما لا تستجيب بعض الأجهزة، أو لا تنفعل، وفي أحسن الأحوال تنكر كل الوقائع، ولكن كل ما نرجوه من الرئيس أن يدافع عن العقل المصري، وعن سمعة مصر، يجب أن يفرج عن هذا المفكر، وعن غيره من سجناء الرأي، ولا يجب أن ندع بعض أفراد القضاء المصري يورطوننا في هذا النوع من القضايا، لا نريد أن ننسى قضية صحفيي الجزيرة.
لقد ظل ثلاثتهم في السجن شهورًا طويلة لمجرد أنهم كانوا يؤدون واجبهم المهني، سجنهم قاضٍ غريب من لمجرد أنهم مارسوا عملهم العادي، وسجن أحدهم، لأنه بدلا من أن يرحل مباشرة من إفريقيا إلى بلده في أستراليا أراد أن يقضي بضعة أيام إجازة في القاهرة، سجن من أجل إجازة، عاشوا في عذاب ومماطلات وأحكام قضائية جائرة وقتا أطول من اللازم، وفي كل أسبوع كانت تخرج المظاهرات من كل مكان في العالم لتندد بحرية الرأي في مصر، وأخيرًا بعد أن جفّت أرواحنا تدخّل الرئيس لينقذ ما يمكن إنقاذه وأفرج عنهم جميعًا، ولكن مثلما أصيب المتهمون الضحايا بعاهات مستديمة، أصيبت سمعة مصر بالعاهة نفسها، لذلك أناشد الرئيس أن يستخدم سلطته حتى لا يتفاقم الأمر أكثر من ذلك، أناشده أن ينقذ العقل من الجهل، وأن ينقذ الفكر من قبضة التطرف.
إنها صرخة نطلقها لعهد جديد في عام جديد نرجو أن يتم الاستجابة إليها.

